ياسين الحاج صالح (الحياة)

قبل أيام مرّت الذكرى الأربعون على وفاة خالد العظم، رئيس الوزراء السوري ست مرات، وواحد من رجال الدولة النادرين في تاريخ سورية المعاصر، في بيروت. في ذكراه، وعلى خلفية السجال الجاري حول العلاقة السورية اللبنانية، تستعيد هذه المقالة قصة الانفصال الجمركي بين سورية ولبنان الذي اتخذته في 14 آذار (مارس) 1950، حكومة العظم - الأب الذي لم يعقب للقومية الاقتصادية السورية.

تضمن قرار مجلس الوزراء السوري الذي أعلن إلغاء الوحدة الجمركية بين البلدين البنود الأربعة التالية: «1- تطبيق أنظمة القطع على العمليات التجارية بين سورية ولبنان وعدم السماح للأشخاص المسافرين إلى لبنان أو القادمين منه أن يخرجو او يدخلوا أكثر من خمسين ليرة من النقد السوري؛ 2- منع نقل البضائع من لبنان إلى سورية باستثناء البضائع العابرة (ترانزيت) والبضائع المعفاة من الجمرك والمحروقات؛ 3- إقامة مراكز جمركية ومراكز مراقبة على الحدود السورية اللبنانية؛ 4- منع سفر السوريين [إلى لبنان] إلا بإجازة عند الضرورة». والبند الأخير يستهدف تقليل عرض الليرة السورية في السوق اللبنانية، المترتب على لجوء الأثرياء السوريين إلى لبنان للاصطياف واللهو (بما في ذلك لعب القمار، حسب العظم ذاته). ومعلوم أن أحد مقدمات الانفصال الجمركي هو الانخفاض المضطرد لسعر الليرة السورية مقابل نظيرتها اللبنانية وخسارتها قوتها الابترائية، بعد أن كان لهما السعر نفسه أيام الانتداب.

لم أقدمت حكومة العظم على هذه الخطوة؟ لم يصدر موقف العظم عن نزعة سوروية معادية للبنان، ولا عن نزوع عقابي تستسهله دول كبيرة نسبيا حيال دول أصغر منها. كان الرجل محبا للبنان ويعرفه جيدا، ولطالما قضى الصيف فيه، ولطالما تمتع هو نفسه بما تتيحه البنية التحتية اللبنانية للاصطياف والسهر من مباهج لم تكن متاحة في دمشق. لقد كان رجل دولة عقلانياً يسعى وراء مصلحة البلد الذي يقوده. كان «المليونير الأحمر» رأسماليا سوريا، معنيا بتعزيز فرص التراكم الرأسمالي في بلده.

يستخلص المرء من قراءة مذكرات العظم أن حكومته كانت تعتبر أن الوحدة الجمركية تسببت في استنزاف الاقتصاد السوري بآليات متعددة: (1) تفاوت التطور بين البلدين في ميادين السياحة والاصطياف والعلاقة مع المورّدين الأجانب (لم يكن ميناء اللاذقية قد افتتح – سيدشنه بعد قليل العظم ذاته) والقدرات البشرية لصالح لبنان؛ (2) إصرار البورجوازية اللبنانية، والبيروتية بصورة خاصة، على رفض الوحدة الاقتصادية الكاملة والإبقاء على الوحدة الجمركية التي تخدم مصالح الرأسمال اللبناني وحده. ويجد التعارض بين مصالح البورجوازيتين السورية واللبنانية تعبيره في المذهبين الاقتصاديين المعتمدين فيهما، حيث سياسة «الباب المفتوح» في لبنان، وسياسة الحماية في سورية. كانت البورجوازية السورية تسير خطوات أولى على طريق التصنيع بعد أن استفادت من الحرب العالمية الثانية وتنامي حاجات جيوش الحلفاء لتحقيق درجة من التراكم الرأسمالي. وخالد العظم نفسه أنشأ، مع شركاء آخرين، شركة الاسمنت في دُمَّر قرب دمشق. كذلك كانت تلك الفترة بداية التوسع الزراعي والمكننة في الجزيرة السورية ذات الأراضي الخصبة. في المقابل، كانت البورجوازية اللبنانية تجارية ومصرفية في الأساس، تعتمد على السمسرة والترانزيت والسياحة. وكانت بيروت وضواحيها ملهى الأثرياء السوريين.

في لقاء له مع رئيس الوزراء اللبناني حسين العويني في أواخر آذار 1950 من أجل حل الخلاف الذي افضى إلى الانفصال الجمركي، قال خالد العظم إن الأسس التي لا تقبل أية حكومة سورية الابتعاد عنها في مجال السياسة الاقتصادية هي: «(1) السياسة الاقتصادية الموجهة، المبنية على تحديد أنواع البضائع غير الضرورية، وفرض رسوم جمركية مرتفعة عليها، وعلى منع استيراد البضائع التي تصنّع المصانع السورية المقدار الكافي منها، وتنشيط التجارة السورية وتوجيهها نحو الاستيراد والتصدير مباشرة من الخارج وإليه، وحماية الزراعة وزيادة الأراضي المزروعة». ويعلق: كانت هذه السياسة مخالفة لمبدأ «الباب المفتوح» الذي كان ينادي به تجار بيروت. (2) حماية النقد السوري وتعزيزه ومنع السوريين من إنفاق أموالهم جزافا في لبنان، وتأمين القطع اللازم لتسديد أثمان مستورداتنا». ويقول إن «هذه النقطة أيضا كانت غير منسجمة مع رغبات لبنان».

نجد هنا عناصر أساسية لقومية اقتصادية، سوف تغرقها منذ أواخر الخمسينات أمواج القومية السياسية والثقافية. بعد قليل، عام 1951، سيبادر العظم إلى تدشين مرفأ اللاذقية ليمنح القومية الاقتصادية ركائز فعلية. في كلمته التي ألقاها في حفل تدشين المرفأ قال العظم: «هنيئا لمن له شبر أرض في اللاذقية»، معارضا القول المشهور: «هنيئا لمن له مرقد عنزة في لبنان».

ووُجه القرار باستياء لبناني متوقع، أسبابه اقتصادية؛ كما باعتراض أصوات سورية لأسباب إيديولوجية. في كلمة ألقاها يوم 15 آذار 1950 امام «الجمعية التأسيسية»، قال حسني البرازي: «إن القدرة الإلهية جعلت لبنان وسورية جزئين يتمم أحدهما الآخر. والغريب أنه بينما تتكلم هذه الجمعية عن الوحدة العربية نفاجأ بالانفصال والقطيعة... فالقضية ليست اقتصادية وأرقاماً... هناك الوجهة السياسية القومية التي يجب أن تعطى ما تستحق من الاهتمام... ودولة الرئيس قام بعملية ارتجالية إرضاء لبعض التجار واصحاب المصانع». ينتمي البرازي إلى واحدة من أربع أسر إقطاعية واسعة الأملاك في ريف مدينة حماة وسط سورية، كان الفلاحون فيها أقنانا حقيقيين. يمكن فهم ازدرائه «للاقتصاد والأرقام» بموقعه كمالك أراض كبير من جهة، وعلاقة المنافسة بين أسر الأعيان الملاكة و»التجار وأصحاب المصانع» من جهة أخرى. في ما بعد سيتحول كلام من هذا النوع إلى عقيدة رسمية لنخب سلطة، تجهل الاقتصاد وتمجد «الوجهة السياسية القومية» التي تمنحها سلطة مطلقة لا تناقش.

في حفل افتتاح مرفأ اللاذقية، اقترح رئيس بلدية المدينة تسمية شارع باسم خالد العظم. رد رجل الدولة «البورجوازي» قائلا: «لا يصح في رأيي تسمية شارع باسم الأحياء، لأنهم قد يقدمون فيما بعد على عمل غير طيّب يجعل الندامة تحل محل الولاء».

مات خالد العظم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1965، ولم يكن هناك لا شارع ولا ساحة ولا حديقة باسمه. اليوم، ربما وجب «دفع فروغ» لتسمية شيء ما باسم رئيس وزراء سورية لست مرات بين استقلالها والعهد البعثي.