النهار،زيور العمر

لم يكن متوقعاً، حسب أكثر المتشائمين من مستقبل المواجهة بين المجتمع الدولي و سوريا، أن تفضي عملية شد الأصابع بين أمريكا و فرنسا من جهة و النظام السوري من جهة أخرى على خلفية إغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 الى مرحلة الفصل الأخير من المواجهة. هذا بدا واضحاً من التطورات و المستجدات التي ظهرت في اللحظات الأخيرة من المهلة التي قدمت للسلطات السورية لإبداء التعاون مع لجنة التحقيق الدولية بقيادة القاضي الألماني ديتليف ميليس و الموافقة على تسليم المشتبهين بهم للتحقيق معهم. في سياق هذا الملف الشائك و الخطيرعلينا ان نتذكر بعض خفايا فنون السياسة و العلاقات الدولية و لا سيما في المنعطفات الخطيرة التي تتحول فيها دول و مناطق جغرافية الى بؤر توتر تلقي بظلالها على مستقبل التاريخ البشري في سبيل تجسيد بعض القراءات الواقعية لبناء تصورات و أفكار عملية تساعد على فهم خلفية الحوادث السياسية و محركاتها و الأساليب المتبعة في إدارة دفة الصراع فيها. قبعد أن شهدت العقود القريبة الماضية تقدما تكنولوجياً ملفتأً،أسفرت عن تفجر ثورة المعلومات و الإتصالات، أضحت العلاقات الدولية في ظلها أكثر تشابكا و ترابطا الى درجة فقدان الجغرافية السياسية حدودها و تخومها الكلاسيكية. النظام الدولي الجديد الذي تشكل أولى ملامحه إثر إنهيار النظام السياسي الشيوعي، و توضحت صورته أكثر مع تفجيرات 11 من سبتمبر في نيويورك، و تجسدت اكثر فأكثر مع الحروب الإستباقية لإدارة الرئيس بوش في كل من أفغانستان و العراق، افرزت معادلة دولية جديدة تدور من حولها و من أجلها صراعاً في شكل أخر وإن كانت المضامين و الخلفيات التاريخية في الصراعات الدولية بقيت قائمة و ماثلة في كل الخطط و البرامج الإستراتيجية للقوى الفاعلة على المسرح الدولي. الأزمة التي نشئت، إتر إغتيال رفيق الحريري، بين سوريا و المجتمع الدولي يمكن جعلها مادة لإستخلاص بعض التصورات و الإفكار حول شكل و مضمون الصراع القائم حالياً و كيفية إدارتها من قبل القوى الفاعلة و المتفاعلة معها. و لعل أولها تتمثل: في أهمية« البعد الدولي في حسم الصراعات الإقليمية أو المحلية » فالقرار 1595 أمن للبنان إنسحاباً سورياً ما كان ليتحقق يأيدي اللبنانيين مهما جيش من أجله الملايين من المتظاهرين و المحتجين و الناقمين على النظام الأمني السوري في لبنان و خلق فرصة حقيقية لإعادة الحياة للمشهد السياسي اللبناني من خلال تنظيم أول إنتخابات حرة ونزيهة في لبنان منذ ما يقارب الثلاث عقود. و جاء القرار 1636 ليكون بمثابة تحذير شديد اللهجة للنظام السوري بضرورة التعاون. و بقدر ما كان البعد الدولي مهماً و حاسماً في حل مشكلة لبنان فهو مهم أيضاً بالنسبة الى عملية التغيير المزعومة في سوريا و غيرها من بؤر التوتر في المنطقة برمتها. لهذا لا يمكن الخوض في تفاصيل و جوانب قضية داخلية أو محلية دون معرفة توجهات السياسة الدولية و ناصية الإستراتيجيات المعتمدة عليها. ثانياً: التركيز الحاصل على سوريا من قبل أمريكا يجب أن لا يفهم على أنه ينطوي على مخطط أو سيناريو يهدف الى إسقاط النظام في دمشق و إنما هو سعي الى تطويعه و إجباره على تغيير سلوكه بما يحقق الفرص و الأجواء لترتيب الأوضاع المتأزمة في العراق لعزل إيران و إستهدافه في مرحلة لاحقة. فسوريا تملك موقعاً إستراتيجياً في مركز بؤرة الصراع و نقطة عبور مهمة و محطة أساسية في عملية إعادة الأمن و الإستقرار في المنطقة مما يعني أن التركيز على نقطة معينة لا يشكل معطى يشير الى نية لإحداث تغيير جذري فيها و إنما يتم توظيفها لتحقيق الأهداف في النقاط الأخرى و التي تتمثل في الوقت الراهن في الملف العراقي الأهم إستراتيجياً و نفطياً.. القضية الثالثة في هذا السياق تبقى مهمة للتذكير و هي أن السياسة تمارس كوظيفة لتحقيق مصالح إقتصادية. في مرحلة الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى الى إشعال بؤر التوتر في العالم لتمرير مصالحها و تجسيد هيمنتها على العالم من خلال بيع الألسلحة بالمليارات من الدولارات، في حين ان عالم اليوم يشهد هيمنة أمريكية مطلقة على المشهد السياسي الدولي و لم تعد بؤر التوتر تفيدها في شئ و إنما تلحق أشد الضرر بها، حيث أصبحت الهيمنة المطلقة و الإستقرار الدولي المعادلة التي تبنى عليها الأمن القومي الأمريكي و بالتالي من يقبل بالهيمنة الأمريكية و يوفر أجواء الإستقرار يستطيع أن يشغل حيزاً في عالم اليوم و ما عداه فهو سراب في سراب. الإدارة الأمريكية تعيد قراءة مخططاتها و سيناريوهاتها في العرق من خلال الدبلوماسية النشطة في التنسيق مع الحلفاء الغربيين في التعامل مع سوريا و استطاعت من خلال الإجماع الدولي تحقيق بعض الخطوات المهمة في الملف السوري و هي تمارس الضغوط في هذا الإتجاه ليس بهدف إحداث التغيير الجذري في دمشق و إنما لتحقيق أهداف الحرب في العراق التي كانت تتجه و ما تزال الى تحقيق السيطرة الكاملة على نفط الخليج بما فيه إيران و هي بحاجة الى الإستقرار و تعاون أقليمي مع مخططها، طوعاً أو إجباراً، و سوريا دولة مهمة في هذا السياق.