صدى البلد

عندما تتحرك الدبلوماسية الأميركية في المنطقة العربية تتراوح المتابعات بين الشكوك بحراكها والريبة من النتائج التي ينفخها حواريو الانظمة العربية املا في ان تنفجر او تنفرج فتلد صفقة تزيد في قوة النظام وتمد في عمره.

وعندما تنشط الدبلوماسية الأميركية في لبنان في هذه اللحظة بالذات، حتى لو كان نشاطها بريئا من كل انواع اللعب تحت الطاولة وفوقها، يقفز الى واجهة الذهن هاجس لبناني يحركه سؤال واحد لا يجد له شريكاً: هل عقدت "الصفقة" مع النظام السوري على حساب لبنان؟

سؤال ليس من السهل تبديده او تجاهله بسبب إرث أميركي صفقاتي مغمس بالرهانات الخاطئة والخيبات المتوالية والتلزيم الحصري للبنان الى الراعي السوري في "زمن الوصل بالشام"، وهو زمن انتهى الى غير رجعة او كاد حسبما زعم مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية الأميركية.

ويؤكد المصدر عدم وجود صفقة اميركية ــ سورية حول التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، ويقرن تأكيده بالاشارة الى ان السياسة الأميركية لا تهدف ابداً الى اسقاط النظام السوري, ولكن اعتقاد البعض بأن الولايات المتحدة تسعى الى تغيير النظام في سورية يدفعهم الى الغوص في تحليلات وقراءات غير واقعية.

وبعدما ركز المصدر على التناقض الجوهري بين تطلعات الادارة الاميركية حيال الديمقراطية والأداء السياسي والأمني في الشرق الأوسط، وبين السياسات السورية المتبعة، أكد ان هذا الخلاف لا يدفع الولايات المتحدة الى التفكير باطاحة النظام السوري، مشيرا الى ان الجهود الأميركية تنصبّ على احداث تغيير في توجهات القيادة السورية، على أمل أن تسير بسورية نحو المزيد من الديمقراطية والانفتاح. واستدرك ليؤكد على ان التعاطي الأميركي مع سورية بهذه الروحية لا يعني أبداً التفريط أو التراجع عن الموقف الأميركي الثابت حيال ضرورة عدم عودة الوصاية السورية على لبنان، التي انتهت في الظاهر بحسب المصدر من دون أن تنتهي بشكلها غير المباشر عبر الدور الذي يلعبه حلفاء سورية في لبنان.

وشدد المصدر على ضرورة ان يفهم اللبنانيون ان الولايات المتحدة لن تتخلى عن قضاياهم، ولن تقوم بصفقات على حسابهم، وتمنى أن ينسى اللبنانيون الفترة الماضية التي تضمنت بعض الأخطاء التكتيكية الأميركية، وبعض القصور الناتج عن "ظروف معقدة وصعبة".

ولفت المصدر الى ان الليونة التي تبديها الولايات المتحدة إزاء سير التحقيق الدولي في قضية اغتيال الحريري، نابعة من البراغماتية الأميركية التي تتعاطى مع القضايا بناء على متغيرات وتفاصيل لا يدركها المراقب من خارج اوالجمهور المسيّر اعلامياً. واعتبر ان هذا الأداء البراغماتي التكتيكي لا يؤدي الى التفريط بالمبادئ، وبالتالي فإن التساهل مع سورية في ما يخص بعض الشهود أو مكان الاستجواب وزمانه، لا يعني عدم متابعة مسار التحقيق حتى الوصول الى الحقيقة. لكنه لفت الى ان الوصول الى الحقيقة لا يعني ايضاً أخذ الأمور بطريقة "الأسود أو الأبيض" والمسارعة الى محاسبة سورية قبل ادانتها.

وبالنسبة للمسألة الشيعية في لبنان استغرب المصدر الفكرة المتداولة حول موقف الأميركيين من الطائفة الشيعية. وأكد ان الادارة الأميركية ليست في مواجهة صدامية مع شيعة لبنان، وان هناك تفهماً كبيراً لبعض مطالبهم وهواجسهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقال حرفياً: "أنا لا أعارض تحصيل حق المستضعفين الشيعة وإعطاءهم ما يستحقونه بعد الاجحاف الذي يقولون انه لحق بهم".

أما بالنسبة لـ "حزب الله"، فقد أكد المصدر ان الادارة الأميركية التي تتخذ موقفاً مبدئياً من السلوك الارهابي للحزب، لا تسحب موقفها على حزب الله ككل ولا تعترض على أصل وجود الحزب في السياسة والاقتصاد والاجتماع في لبنان، وكل ما يعني الأميركي هو استخدام حزب الله العنف في الجنوب. وأشار الى ان هذا الموقف ليس ضد حزب الله كحزب الله وانما هو ثابت في السياسة الاستراتيجية الأميركية التي ترفض العمل الميليشيوي وتؤكد على ضرورة ان يتخذ الناس خياراتهم بحرية: "فإما أن يكونوا أحزاباً أو ميليشيات"، واضاف ان الادارة الاميركية تتعاطى بايجابية وبدعم مع الأحزاب التي لا تتوسل العنف سواء كانت علمانية أو اسلامية أو شيوعية ضمن سياسة احترامها التنوّع، ولكن الادارة لا تتعامل مع ميليشيات وتدين لجوء هذه الميليشيات الى العنف، ومن هنا تأتي ادانتها لعمل حزب الله أو حماس، من دون ان تنسحب الادانة على عملها في البلدان التي تنشط فيها سياسياً.

وعلى الطريقة الأميركية المعهودة كرر المصدر التأكيد على وجود أخطاء أميركية عدة في الشرق الاوسط بدءاً من فلسطين امتداداً الى العراق وصولاً الى لبنان. لكنه وجّه ما يشبه النداء الى الشعوب العربية والى اللبنانيين تحديداً، من أجل أن يتخلصوا من هيمنة نظرية المؤامرة، وأن يعطوا السياسة الأميركية الجديدة فرصة ويعملوا على تفهمها بمنطق وعقلانية من دون العودة الى الماضي واستذكار الدعم الأميركي للأنظمة الاستبدادية واقامة التسويات على حساب شعوب ودول، مؤكداً ان هذا المنطق صار من الماضي وان الولايات المتحدة أدركت خطأه ولمست مخاطر دعم الدكتاتوريات التي فرّخت ارهاباً ضرب قلب أميركا، ولم يحقق الأمن والاستقرار اضافة الى كونه قوّض كل امكانات قيام الديمقراطية، هذه الديمقراطية العربية المفقودة والتي يؤدي فقدانها بحسب المصدر الى حدوث أضرار كبيرة على الولايات المتحدة، ولذلك تسعى الادارة الأميركية حالياً الى دعم الديمقراطية ليس من أجل "مبادئ انسانية سامية ولا من أجل تقديم خدمات خيرية للشعوب العربية"، ولكن انطلاقاً من حرص الادارة الأميركية على مصالحها التي تقتضي تعميم الديمقراطية حتى لو حمل تعميمها الاسلاميين الى الحكم. لأن وصولهم برأي المصدر ليس أكثر خطراً من تفشي الدكتاتوريات التي تفرخ كل أنواع الارهاب والاختلالات السياسية ـــ الاجتماعية في الشرق الأوسط، وهو ما ينعكس خراباً وحقداً وارهاباً على الولايات المتحدة والغرب.

لكن المصدر لم تفته الاشارة الى صعوبة تصديق الولايات المتحدة من قبل شعوب المنطقة المسكونة بفكرة واحدة وهي ان أميركا في خدمة اسرائيل. ويؤكد المصدر ان الوقت كفيل بتبديد الهواجس والشكوك، وعندها ستعلم الشعوب العربية أهمية ما تقوم به الولايات المتحدة حاليا في العالم العربي من أعمال تؤسس لمستقبل ديمقراطي مختلف.