حازم صاغية/الاتحاد

هل البُعدان الديني والروحي-الأخلاقي، في ما خص الأفراد أو الجماعات، شيء واحد؟ أم أنهما شيئان منفصلان مستقل واحدهما عن الآخر؟

حين يتناول الباحثون والكتّاب والصحافيون انبعاث الأصولية في العالمين العربي والإسلامي، نراهم يخلطون بين الانبعاث هذا وبين البُعد الأخلاقي- الروحي، كما لو أن هذه جميعاً مجرد مترادفات متعادلة المعاني• وواقع الحال أن درس البُعد الروحي والأخلاقي في التجربة الغربية، لا سيما الأوروبية منها، يختلف تماماً، إن لم نقل إنه يختلف جذرياً• فهو لا يتصل بالضرورة بالموضوع الديني، ناهيك عن الموضوع الأصولي وتفرّعاته السياسية والأمنية مما تزخر بأخباره الصحف والتلفزيونات راهناً•

هذا، على الأقل، ما يعلّمنا إياه أحد علماء السياسة الغربيين: أندريه كونت سبونفيل• ففي كتابه بالغ الأهمية ’’هل الرأسمالية أخلاقية؟’’، الذي تُرجم مؤخراً عن الفرنسية (ترجمه الشاعر والأديب اللبناني بسام حجار، وأصدرته ’’دار الساقي’’)، يدلّنا سبونفيل منذ صفحاته الأولى إلى المسألة هذه، منبّهاً إيانا (من غير أن يقصد طبعاً) إلى الفارق بين طرحها في عالمنا وبين طرحها في أوروبا الغربية•

ويلاحظ سبونفيل، في محاضراته التي ألقاها على طلبته قبل أن تُجمع كتاباً، أننا نعيش حالياً ’’عودة الأخلاق’’ وانبعاثها• ذاك أننا، حتى عشرين عاماً خلت، كنا نعتبر أن السياسة هي كل شيء، وأن السياسة الجدية هي الأخلاق الضرورية الوحيدة• وكان الأمر هذا من نتاج ’’عقلية ’’1968 حيث اقترنت الرغبة الواسعة بالتغيير، لا سيما في أوساط الشبيبة والطلبة، بنفوذ الإيديولوجيات الكلانية (التوتاليتارية) التي تقوم على تسييس كل ما تقع يدها عليه• لكن الأمور تغيرت الآن، وتغيرت كثيراً• ففي نظر العديدين من شبان اليوم، صارت الأخلاق كل شيء، فيما الأخلاق الجيدة غدت صالحة بذاتها لأن تكون سياسة كافية إلى أبعد حد•

لكن الكاتب المتمسّك باستقلال الأنساق، واحدها عن الآخر، يرى أن الاعتقادين خاطئان: فلا السياسة تحل محل الأخلاق لأنه ينبغي أن تكون هناك للسياسة استقلاليتها، ولا الأخلاق -حتى لو صار اسمها ’’حقوق الإنسان’’ أو ’’عملا خيريا’’ - يجب أن تحل محل السياسة، لأنها، هي أيضاً، ينبغي أن تتمتع باستقلاليتها•

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، انفصالاً وقطيعة بين الأخلاق والسياسة، لكنه يعني الإقرار بالتمايُز الذي قام الفكر السياسي الغربي على توكيده منذ كتابة نيقولا ماكيافيللي كتابه الشهير ’’الأمير’’ في القرن السادس عشر•

في الحالات كافة، فإن من علامات ’’عودة الأخلاق’’ وانكفاء الشبيبة إليها، على ما يرى ســــــبونفيل، ما بات يُعرف بـ ’’الأيام العالمية للشبيبة’’ JMJ والتي جرت برعاية البابا الراحل يوحنا بولس الثاني• فقد حشد أحدها، قبل سنوات قليلة، أكثر من مليون شاب وشابة في باريس وحدها• وكان هذا ’’الجيل الروحي الأخلاقي’’ هو الذي احتل الصدارة التي كان يحتلها جيل 1968 السياسي، مثلما ارتفع شعاره الضمني: الأخلاق هي كل شيء، محل الشعار الستيني: السياسة هي كل شيء• والراهن أن التحول هذا امتد وتوسع ليتخذ أشكالاً عدة تتوزّع على قارات العالم جميعاً، منها، مثلاً، دور زعيم هضبة التيبت البوذي الدالاي لاما الذي يقال بأنه يضفي بُعداً أخلاقياً على دعوته السياسية للاستقلال عن الصين، ومنها كذلك، في الأدب، صعود الكتابات ’’الروحية’’ للروائي باولو كويلهو والتي بات بعضها يُباع بملايين النسخ في القارات الخمس•

وهذه الوجهة إنما بدأت، حسب الكاتب، بانتصار الرأسمالية مع انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الشيوعي، أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات• ففي الوقت الذي فقد خصمُها التاريخي (الشيوعية) مبرراته، فقدت الرأسمالية أيضاً ذلك الضرب من التبرير السلبي الذي كان هذا الخصم يوفّره لها على طبق من فضّة• هكذا نرى أن انتصار الرأسمالية لا يعادله سوى البلبلة التي تشهدها الرأسمالية نفسها• إذ ما جدوى أن ننتصر، في المجتمعات المتقدمة، إذا كنا لا ندري من أجل ماذا نحيا؟

وبالمعنى هذا، رُبطت الرأسمالية في أكثر أشكال اشتطاطها وتطرّفها بالسعي وراء الربح على حساب القيم الإنسانية• وقد عملت وسائل الاتصال الحديثة، في زمن العولمة، على إشعار الفرد (الذي يستطيع الاتصال بأبعد أرجاء الكون) بعزلته عن جاره المباشر• وغني عن القول إن الكومبيوتر والانترنت، إلى جانب فضائلهما الكبيرة التي لا يرقى إليها الشك، عزّزا ميولاً انعزالية وغير اجتماعية لدى كثيرين ممن يتعاطونهما• ومع الصحف الالكترونية التي باتت تُقرأ كقطع مجتزأة، تغير الكثير على مستوى المراجع والرموز، والتفكير تالياً• فالجريدة المطبوعة، مثلاً، لم تعد مرجعاً موحّداً بين القراء على ما كانت الحال قبلاً، حين كان مئات الآلاف يتشاركون في قراءة صحيفة بعينها وفي التعليق على ما يرد فيها والسجال معه سلباً وإيجاباً•

ثم إذا كان الدين هو ما يربط البشر في ما بينهم، من خلال ربطهم جميعاً بالله، فإن عكس الدين ليس هو الإلحاد، كما يسود الاعتقاد غالباً• إن عكس الدين هو، والحال على ما هي عليه، انعدام الرابط، ومن ثم التفكك الذي تُتهَم وسائل الاتصال الحديثة بالتسبب فيه•

أبعد من ذلك أن الدين، بصفته المعتقدية والطقسية، قد لا يكون هو الذي يشهد عودة وانبعاثاً، بدليل أن الكنائس في أوروبا الغربية تخلو راهناً من المُصلّين، ما خلا بعض أبناء الأقليات والملوّنين ممن لم يستكملوا اندماجهم في مجتمع صناعي حديث• بيد أن ما يعود وينبعث هو البحث عن رابطة روحية في زمن تضعضُع الروابط إن لم يكن انهيارها• فليس مقنعاً، كما يقول بعض نقّاد الرأسمالية الجامحة، أن تختفي الكنائس لمصلحة أروقة المخازن التجارية الكبرى! وهذا ليس احتجاجاً على اختفاء الأولى بقدر ما هو اعتراض على بروز الثانية•

وهذا يعني، بدوره، أن الأديان، كأنظمة معتقدية كبرى، يمكن أن تتراجع فيما يتقدم البُعد الروحي الأخلاقي• ذاك أن الاستطلاعات كلها تؤكد أن أكثرية من بين المسيحيين الممارسين في أوروبا الغربية، خصوصاً ممن هم دون سن الخمسين، لا تشعر بأنها معنيّة بإرشادات المسيح أو البابا الدينية• والمثل على ذلك هو ما نعثر عليه في مشكلات وسائل منع الحمل أو العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج• وحتى ظاهرة الأب بيار في فرنسا، وهو الذي والت استقصاءات الرأي العام التوكيد على أنه كان أكثر الفرنسيين شعبيةً، لم يكن كذلك لأنه رجل دين كاثوليكي، بل لأنه رجل أخلاقي قضى حياته في العمل الخيري والإحساني لمصلحة البشر•

ويذهب كتاب سبونفيل، استطراداً، إلى معادلة تختلف تماماً عما هو دارج من الأفكار، كاعتبار أن قوة الدين تتصاحب، بالضرورة والحتم، مع قوة الأخلاق، ليلاحظ أن الحاجة إلى الأخلاق تتعاظم مع تراجع التمسك بالدين• فحين لا يعود في وسع الدين أن يجيب عن سؤال: ’’ما الذي ينبغي أن أفعله’’؟ يتزايد الإلحاح على الأخلاق كيما توفّر لنا هذا الجواب•

والحق أن الدين في أوروبا لم يعد في وسعه الإجابة عن السؤال الآنف• وهو واقع لا يزال يبلور نفسه منذ أطنب عالم الاجتماعي الألماني ماكس فيبر في شرح صعود العالم البيروقراطي على حساب العالم القديم وأفكاره•

وما من شك في أن ما تستجرّه الرأسمالية ومعها التقدم العلمي الفالت من عقاله، يجعل هذه المطالبة بالجواب قاهرة وداهمة• فالجميع في الغرب يطرح اليوم السؤال عن الحدود التي تحدّ العلوم التقنية، لا سيما علوم الكائنات الحية والبيولوجية، وفي معنى أدق: أي حدود لعمليات التعديل الوراثي على الخلايا الجنينية، تلك التي تنقل السمات الوراثية، أو لحرب نووية محتملة، أو من خلال التلوث أو ظاهرة الاحتباس الحراري• وباختصار، إذا ما تركنا هذا النسق التقني العلمي لتلقائيته الداخلية وحدها، يغدو كل شيء ممكناً من دون أن يستطيع القانون وحده ردع تلك المخاطر، إذ أن لعمل القانون حدوداً ملزمة في النهاية•

ويقيناً إن هذا الفصل بين الديني والأخلاقي- الروحي حاجة عربية كبرى• بيد أن إدراك أهميتها لا يلغي صعوبة ذلك في ظل ضعف الحساسية لدينا حيال الشأن الإنساني كشأن مستقل بذاته عمّا عداه، فضلاً عن أن ’’الفرد’’ لا يزال يعيش، في مجتمعاتنا، تحت وطأة الجماعة بحيث يصعب تناول مسائله الأخلاقية الروحية في معزل عما هو ’’ثقافة الأمة’’•