ضيا اسكندر

يبدو أن المزاجية وبعض الطباع تنتقل إلى الأبناء بالوراثة؛ فأنا مثلاً لا أحب الكوسا أبداً. وقد ورثتْ عني ابنتي الصغيرة هذا الكره للكوسا. ومنذ أيام تحدّتني زوجتي قائلةً: أشهد بأنك بارعٌ في كثير من الأشياء إلا أنك تعجز عن إطعام ابنتك الكوسا... أجبتها وقد قبلتُ التحدّي: اطبخي كوسا هذا اليوم وسترَين بأنني أستطيع إطعام ابنتي منه.

عند الغداء وبينما كانت زوجتي تهيّئ الأطباق على المائدة, جلستُ قرب ابنتي وبدأتُ بتقديم عبارات الإطراء لها؛ مبيناً لها بأن أكثر ما يعجبني فيها هو دماثتها وطيبتها, وبأنها قنوعة وغير متطلّبة, لا تتغنج على شيء, تقدّر جهود والدتها وتثني عليها وتأكل ما تطبخه من طعام دون أي تذمّر... وبعد أن مسّدتُ شعرها بحنان استطردتُ قائلاً: تذكّرينني يا حبيبتي بفتاة صغيرة في مثل عمرك كانت تكره الكوسا جداً. إلا أنها من شدة حبها لأمّها لم تكن تبدي أي نوعٍ من الاشمئزاز لدى قيام أمها بطبخ الكوسا, وذلك تقديراً لتعبها وعرفاناً بجميلها. ثم إن الكوسا من نعمِ ربنا ويجب ألا نرفضه أبداً. كما إنه مفيدٌ جداً يا ابنتي.. ( في هذه اللحظات كانت زوجتي تضع الكوسا في الأطباق) مددتُ يدي وبدأتُ بإطعام ابنتي لقمة صغيرة من الكوسا وهي مأخوذة بحديثي دون أن تنتبه..! واستأنفتُ قائلاً بعد أن فرقعتُ لساني مستطيباً لأحثها على الاستمرار بتناول المزيد: هل تعلمين يا ابنتي بأن الكوسا يحتوي من المعادن على الكبريت والفوسفور والبوتاس (وأطعمتها لقمة) والكلس والحديد والمغنيز (وأطعمتها لقمة أكبر من سابقتها) وبأنه غذاء رطب, انحداره إلى المعدة سريع (وأطعمتها لقمة أكبر) ويبرّد الجسم ويسكّن اللهيب (وأطعمتها لقمة).. حتى إن طرزان, تصوري يا ابنتي كان يموت بالكوسا (وأطعمتها لقمة).. وربما يكون هذا أحد أسباب قوته. (بدأت علائم النفور والامتعاض تتجلى على محيّاها وتتمنّع بلطف عن فتح فمها) ومن غرائب الأمور وهذا لم يكن في علمي أبداً, أن ساندريلا كانت تفضّل الكوسا على أي طعامٍ آخر. (بدأت تكشر ويزداد تمنّعها مبعدة يدي التي تحمل لقمة عن فمها) احزري يا حبيبتي مَنْ مِن الأميرات الشهيرات كانت تهيم حباً بالكوسا؟ وهنا بلغ السيل الذبى لديها وصرخت مستنكرةً قائلةً: بابا! أرجوك حدّثني عن بنت لا تطيق الكوسا وترفض بشدة تناوله...

قد أكون أطلتُ في سرد هذه الواقعة الحقيقية, لأدلّل من خلالها على أن الطبع يغلب التطبع. ولأؤكد من جهة أخرى على أن بعض مدّعي الرقيّ والمدنية والديموقراطية... يبدو أن طباعهم اللاديموقراطية قد انتقلت إليهم بالوراثة. بفعل القمع المتوارث منذ قرون. إذ سرعان ما يظهرون على حقيقتهم البعيدة كل البعد عن ادّعاءاتهم عندما يُختبرون. وهذا ما حصل معي من خلال مقالة نشرتها بعنوان (جحيم الاستبداد ولا جنّة الموساد) انتقدتُ فيها السلطة والمعارضة بآنٍ معاً. فقد وصلتني مجموعة رسائل إلكترونية هجومية من شخصيات معارضة, بعضهم أصدقاء لي ويعرفون جميعاً الضريبة الباهظة التي سددتها من عمري بسبب مواقفي السياسية. ومع ذلك سارعوا لاتهامي بالعمالة للنظام لمجرّد أنني غمزت من قناة المعارضة. وهم الذين انكووا باتهامات السلطة لهم بالعمالة للخارج لمجرد خلافهم معها ومعارضتهم لها. وطبعاً لم ينسَ أصحاب تلك الأقلام المعارضة أن يذكّرونني بفضائل الديموقراطية والانفتاح والتسامح وقبول الآخر... زاعمين أنهم ديموقراطيون أشاوس حتى العظم. وأن الديموقراطية تسري في عروقهم, لدرجة أنه إذا جُرحوا فإن قطرات الديموقراطية ستسيل منهم...! بينما هم في الحقيقة لا يتحمّلون أي انتقاد ومن أية جهة كانت. متخذين مقولة (بوش): من ليس معهم فهو ضدهم و يجب أن لا يعلو صوت على صوت إسقاط النظام.. شعاراً استراتيجياً لهم وأياً تكن النتائج, وعليهم وعلى أعدائهم يا ربّ!

أيها الأخوة المعارضون! إنني أتساءل بمرارة وأسى: ألمجرّد تقديمي عدة ملاحظات على (إعلان دمشق) والتي أقرّ بها حتى بعض من وقّع عليه, تجعلكم تستلّون سيوفكم الصدئة الرعناء؟

هل هذه ديموقراطيتكم التي صرعتمونا بها بأحاديثكم ومقالاتكم وندواتكم...؟

إن كنتم صادقين فيما تزعمون, تعالوا نكفّ عن المهاترات ونتعلم تطبيق الديموقراطية في بيوتنا أولاً, مع أفراد أُسرِنا, مع جيراننا, مع زملائنا في العمل, مع رفاقنا في التنظيم... بعدها يحق لنا مطالبة السلطة بالديموقراطية.

يقول لينين: الأممي ليس ذلك الشخص الذي يقسم بأنه أممي, بل ذاك الذي يناضل عملياً.

وفهمكم كفاية...