عبد الرحمن الراشد/الشرق الأوسط

فاروق الشرع، من أكثر وزراء الخارجية العرب خبرة في الأزمات، الا ان هذه أزمة ليست كسابقاتها. اصدقاؤه لم يعودوا اصدقاء وعلاقاته لا تفيد كثيرا في الوضع الحاضر والسؤال الى اين تسير سورية خارجيا؟

استمعت الى ابي مضر أول مرة في محاضرة القاها في جامعة جورج تاون في العاصمة واشنطن كسب فيها عقول الحاضرين. وكان من بين الحضور المؤرخ الراحل حنا بطاطو الذي سعى لاقناع الوزير بمساعدته لاجراء مراجعات تاريخية مع عدد من السياسيين السوريين. كان ذلك في اوائل الثمانينات.

هبت على الوزير أعاصير كثيرة عصيبة وبقي صامدا ومتعايشا مع الأوضاع المتغيرة، وظلت سورية من أقل دول العالم رغبة في التغيير. فقد هبت على المصريين والجزائريين والمغاربة مثلها واحدثت تبدلات داخلية في الأسلوب والادارة هائلة مقارنة بما لم يحدث في دمشق.

وبخلاف الأسلوب العراقي المتميز بشراسته في عهد صدام، كانت الخارجية السورية مشهورة بلباقة الوزير وأدبه حتى في ذروة الخلافات، مما جعلت الشرع وجها مقبولا حتى عندما كانت سياسة بلاده منبوذة.

اليوم تمر سورية في طريق وعر محفوف بالمخاطر، والدبلوماسية هي أكبر مدافع الحكومة في ظل الضغط الذي تتعرض له منذ غزو العراق واغتيال رفيق الحريري. لذا لم يكن مفاجئا بروز نائبه وليد المعلم كواجهة للدبلوماسية السورية الجديدة يحاول اصلاح ما افسدته الاحداث الأخيرة. ويمكن ان نرى ان الاحداث تغيرت وكبرت وتجاوزت الفريق القديم في الخارجية السورية الذي شاع الحديث عن استبداله منذ اربع سنوات.

والمعلم هو من ابناء الخارجية السورية القديمة لكنه يتحدث بلغة حديثة سلسلة. اتذكره يوم هوجم بيت السفير الاميركي في دمشق، وتسلق المتظاهرون الجدار وصعدوا الى غرف المنزل، وكسروا أثاثه بما فيه آلة بيانو. التقيت المعلم في حفل في واشنطن يوم كان سفيرا لبلاده هناك. سألته ان الجميع يقولون ان المظاهرات منظمة، كالعادة، فهل يعقل ان الحكومة السورية سمحت باقتحام بيت سفير الدولة العظمى؟ وبدل ان يناقش بجدية رد مازحا وانت في بالك يمكن الحكومة تهاجم بيت السفير؟ سألته كيف سيحل المشكلة خاصة انهم يطالبون بتعويضات؟ اجاب مداعبا، «تخيل سورية تدفع تعويضات للولايات المتحدة، انا قلت لهم عندي في السفارة بيانو ممكن ان يأخذوه بدل بيانو السفير المكسور، خاصة انه ما في احد في السفارة السورية يعرف يلعب بيانو».

المرحلة الحالية هي اكثر من بيانو مكسور. النظام ككل مهدد، وهناك اطراف مختلفة تريد التضييق عليه، وبعضها يريد اسقاطه. لهذا من الواضح ان بروز المعلم وتراجع الشرع يشير الى ان دمشق بدأت تدرك طبيعة المزاج خارج حدودها وصار امامها إما ان تبقى أسيرة الماضي او ان تتطلع للأمام بكل ما تعنيه الكلمة من تجديد في دمائها ونشاطها وسياستها.