سركيس نعوم (النهار)

يعتبر سوريا وحلفاؤها اللبنانيون ان كل ما جرى في لبنان منذ اصدار مجلس الأمن بمبادرة أميركية – فرنسية قراره الشهير 1559 اواخر صيف 2004 يرمي على نحو مباشر الى تدويل لبنان أي وضعه تحت وصاية دولية. ويعتبرون هذا التدويل مؤذياً للبنان وسوريا لأنه لم يعد هناك وجود لمجتمع دولي مجرّد ومنزه عن الهوى والاغراض والمصالح الفئوية من اقليمية ودولية. فالولايات المتحدة القوة العظمى في العالم اليوم وربما لعقود مقبلة تسيطر على الأمم المتحدة على نحو تام أو على الأقل شبه تام. وسياستها الشرق الأوسطية كما العالمية تسيّرها مصالحها الحيوية والاستراتيجية. وابرز مصلحتين حيويتين واستراتيجيتين اميركيتين في هذه المنطقة من العالم هما النفط، العصب الأول للاقتصاد الاميركي اولاً ثم العالمي الذي لا بد من توفير ظروف حماية منابعه وطرق انتقاله الى كل دولة تحتاج اليه في العالم، واسرائيل التي قامت في قلب العالم العربي على الاغتصاب والعدوان والتي تستمر بالاغتصاب والعدوان وبالدعم بل بالحماية الكاملة التي تؤمنها لها اميركا وكل الدول الكبرى في العالم.

وانطلاقاً من المصلحتين المذكورتين قررت اميركا شن الحرب على العراق ونفذتها. وانطلاقاً منها قررت اميركا نفسها توظيف الحوادث والتطورات التي شهدها لبنان منذ أيلول 2004 أولاً لضرب امكانات تهديد اسرائيل امنياً في لبنان او على الأقل لنزع انياب الفئات القادرة على ممارسة تهديد كهذا. فكان القرار 1559 الذي طالب سوريا بالخروج من لبنان لانهاء دورها القومي انطلاقاً منه ولشل قدرتها على الصمود والممانعة أمام اسرائيل وحلفائها الدوليين. لهذه الاسباب كلها ترفض سوريا علناً ما تعده تدويلاً للبنان وتخوض معركة كبيرة ضده ساحتها الاساسية لبنان لأنها تعرف ان لها حلفاء فيه قادرين على الاقل حتى الآن على تعطيل مفاعيل التدويل أو بالأحرى على تأخيرها، ولأنها تعرف في الوقت نفسه ان الساحات الأخرى من اقليمية ودولية التي طالما خاضت عليها "معاركها" مع اسرائيل واميركا وحلفائها اغلقت امامها وباحكام.

هل ان دوافع رفض سوريا تدويل لبنان وتحذيرها الدائم منه والذي عبّر عنه اخيراً وزير خارجيتها فاروق الشرع من "ارض الكنانة" مصر هي فقط لحمايته وحماية نفسها من اسرائيل واميركا وابقاء ظروف الممانعة لهما في المنطقة قائمة من خلالهما؟ لا يريد أحد من اللبنانيين حرمان سوريا شرف حمل لواء المواقف الوطنية والقومية المشار اليها اعلاه، لكن كثيرين منهم يتساءلون اذا كانت السياسة التي اعتمدتها في لبنان اثناء اعداد الجهات الاقليمية والدولية فضلاً عن المحلية للحروب فيه قبل عام 1975 واثناء هذه الحروب وبعد انتهائها خدمت المواقف المذكورة أو أساءت اليها واذا كانت لها أهداف اخرى غير خدمة هذه المواقف. والجواب عندهم صار واضحاً او شبه واضح فمن يريد جعل لبنان منيعاً ليكون سنداً له في مواجهة اسرائيل وحلفائها يساعد "شعوبه " على انجاز وحدتها وخصوصاً في فترة استتباب الأمن في لبنان بعد اتفاق الطائف عام 1989 ثم حرب اخراج العراق من الكويت واللذين امنا لسوريا "كارت بلانش" عربياً ودولياً للتصرف في لبنان، فهل انجزت هذه الوحدة او عملت على انجازها؟ والجواب النابع من العقل والمتابعة وليس من القلب لا يشير الى ذلك ولا يعفي سوريا من المسؤولية عن انقسامات اللبنانيين التي تلت دخولها لبنان وسيطرتها عليه وادارتها اياه ثم حكمها اياه مباشرة وعبر الحلفاء. فهذه الانقسامات موجودة وسوريا كانت تعرف بها ومعها المجتمع الدولي والعربي. لكنها بدلاً من أن تزيلها ساهمت في اذكائها وتعميقها واحياناً تسببت بانقسامات جديدة اشد حدة واكثر خطورة. وقد تكون ساهمت في ذلك جهات اقليمية اخرى. لكن مسؤوليتها أكبر لأن أمر لبنان ترك لها بالكامل وعلى مدى عقد او أكثر من الزمان.

ومن يريد جعل لبنان منيعاً ليكون سنداً له في مواجهة اسرائيل وحلفائها يستعين بالعرب الذين كان لهم دائماً دور مهم في لبنان ومن دون ان يخشى ان ينازعوه النفوذ فيه وعليه. لكن الذي حصل اثناء الحروب كان الغاء منهجياً ومدروساً لأي مشاركة عربية في انهائها ولاحقاً في اعادة بناء لبنان السياسي والاجتماعي وذلك كله يعني ان اللبننة للقضية اللبنانية تعطلت بفعل سوريا واللبنانيين. ويعني ايضاً ان التعريب للقضية نفسها تعطل بدوره بفضلها. اما التدويل فقد عطلته من زمان وهي تحاول تعطيله حالياً. واذا كانت نجحت في الماضي في تعطيله لاسباب متنوعة منها الصراعات الدولية والاقليمية واللبنانية وحاجة اطرافها الى ساحة مضبوطة لصراعهم بحيث يحقق كل منهم اهدافه من دون ان ينجر ويجر الآخرين الى مواجهة او حرب شاملة فانها على ما يبدو لن تنجح هذه المرة، ولاسباب كثيرة، منها الانهاك الذي اصابها نتيجة شبه الحصار الدولي والاقليمي لها، علماً انها مسؤولة عنه في صورة اساسية، وانشغالها بمحاربة الذات. ومنها ايضاً اصرار المجتمعين العربي والدولي على انقاذ لبنان منها وتالياً من نفسه. ومنها ثالثاً اقتناع اللبنانيين رغم استمرار انقساماتهم بضرورة استعادة بلادهم استقلالها وسيادتها حتى من الشقيق او الاشقاء مع الاصرار على اقامة علاقات سليمة معهم. ومنها ايضاً اجماع المجتمع الدولي على مساعدة لبنان وغياب أي قرار عنده بحكم لبنان أو بالوصاية عليه على النحو الذي فعلته سوريا. ولا يمنعه ذلك من السعي لمطالبته بامور تفيد عدو لبنان والعرب اسرائيل. ولكنه يتوقف وقد توقف، عن جعل ذلك شروطاً لمساعدته لأنه يعرف اوضاعه.

انطلاقاً من ذلك كله يعتقد لبنانيون كثيرون ان سوريا ضد تدويل لبنان لأنه حال دون انجاز "سورنته" التي كانت قائمة على قدم وساق. لكنها لم تنجح لأن اللبنانيين مع الاستقلال وخصوصاً اذا كانت "الوحدات" المطروحة عليهم تسلبهم خصوصياتهم وحرياتهم وهويتهم الوطنية وخصوصاً اذا كان النموذج الذي تطلب من لبنان الاقتداء به لا يناسبهم فضلاً عن انه يفتقد الانتماء الى العصر.