حازم صاغيّة/الحياة

قبل أربع سنوات أو خمس، راح عدد من المثقفين اللبنانيين يتساءلون: لماذا لا نراجع مسؤولياتنا عن الحرب، ولماذا لا يعتذر اللبنانيون عما فعلوه؟ وكانوا في هذا متأثرين بما حصل في جنوب افريقيا وبموجة الاعتذارات التي كانت بضعة حكومات تقدّمها لبضعة شعوب.

لكن ما جعل تساؤلهم بارداً، تعوزه الحرارة والزخم، ان الحرب اللبنانية لم تكن انتهت فعلاً. ومراجعاتٌ من النوع هذا لا تجري إلا حين توضع الحروب وراء الشعوب، وتباشر الأخيرة، بقدر من الاطمئنان وقدر من استرخاء الأعصاب، البحث في الماضي ومسؤولياته ومسؤوليتها عنه.

ما كان حاصلاً، منذ 1989، لا يندرج في هذا القبيل. فهو تعميم لرواية أوشكت تصير ايديولوجية حاكمة، مفادها ان الحرب انتهت، ولم يبق الا إجماع اللبنانيين إجماعاً لا يستثني طفلاً رضيعاً على... المقاومة. وهذا، والحق يقال، يُفترض أن يضيف لحمة جديدة الى ما يلحم اللبنانيين جاعلاً واحدهم، حيال المقاومة وعروبة لبنان ووحدة المسارين، يشبه الآخر مثلما تشبه قطرة الماء أختها القطرة.

وهذا ما تبدّى هراء محضاً، على ما عشنا وذقنا ورأينا. وهو هراء لم يكن من الصعب تبيّنه، إن لم يكن من المعرفة فمن متابعة الوقائع، وإلا فمن تجربة الاحتكاك باللبنانيين أنفسهم. وبالمعنى هذا، هراءٌ افتراض البعض الآخر، اليوم، ان اللبنانيين سيقفون موحدين كأسنان المشط في معرفة حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أو حقيقة المقابر الجماعية التي اكتُشفت وقد يُكتشف المزيد منها.

فنحن مختلفون، ولأننا مختلفون لن نتفق على حقيقة ولا على مراجعة. لكن هذا لا يلغي، في حومة «السجال»، وجود «برنامجين» واحد عماده المسارعة في الكشف وآخر ديدنه المسارعة في الإخفاء.

أما المسارعون في الكشف فعيبهم أنهم يسارعون، وأما المسارعون في الإخفاء فعيبهم أنهم يخفون.

والأولون، في هذا، ربما نمّوا عن ثأرية تلازم الانشقاقات الأهلية، خصوصاً تلك التي سبقها عنف لم يزل بعضه طرياً جداً في الذاكرة، وبعضه الآخر لا يزال يلوح احتمالاً في الأفق. ويغدو الميل هذا خطيراً اذا ما ترافق مع نزعة تطهيرية تزعم البراءة للنفس وترمي الآخر، والآخر وحده، بالارتكاب وبالبشع والمقرف. فتحمل تلك النزعة، والحال على ما هي عليه، رغبة قومية تتعدى انشاء الوطن وبناء الدولة الى انشائه وبنائها ضد «عدو» تصير كراهيته علة وجود الوطن والدولة. وفي هذا تكرار مقلوب للمنطق الذي حُكمت الجمهورية الثانية بموجبه، حيث حلت كراهية «العدو» في مرتبة التأسيس الأولى للوطن.

الا ان المسارعين الى الإخفاء ذنبهم أكبر. فهؤلاء يريدون تثبيت اللبنانيين في العتم حيث يحصل كل شيء ويتكرر من غير حسيب. أما العالم الذي يهجس به هؤلاء فهو الفوضى الشاملة التي لا تكتفي بتهديد حياة الأحياء اذ تحتقر، أيضاً، موت الموتى.

فليس من الاستحالة في شيء أن يحوم الظن، حين تُكتشف مقبرة جماعية في عنجر، حول السلطة التي كانت تقيم في عنجر. وليس من المستغرب، بثأرية أو من دونها، أن تتجه الظنون الى نظام عسكري معروف مدى حرصه على البشر، فكيف حين يكون النظام هذا بعثياً، برع شريكه العراقي في البعث في الصنعة هذه؟

وهذه ليست اتهامات قضائية بطبيعة الحال، غير انها حدس سياسي يستند الى معطيات كالمعطيات التي حملت أكثرية لبنانية واسعة على اتهام دمشق بجريمة الحريري. وهي ايضاً لا تعصم اللبنانيين من ارتكابات، غير انها تستبطن حدّين لا يجوز غيابهما عن التحليل والتقدير: اما الأول فمفاده، كما بات شائعاً، التمييز بين ما حصل قبل الطائف مما يطاله العفو، وما حصل بعده. وأما الثاني فمؤداه التمييز بين ما فعلته وتفعله ميليشيات مقاتلة وما فعلته وتفعله جيوش نظامية. وانما للسبب هذا اكتسبت مذبحة صبرا وشاتيلا خصوصيتها البارزة، علماً بأن الأيدي التي تولّت التنفيذ المباشر كانت لبنانية.

لا شك ان المسارعين في الكشف مطالَبون بالإبطاء ولجم النوازع الثأرية الخطرة دوماً. وهو ما يستدعيه، بين أسباب أخرى عديدة، توفير مناخ أكثر صحية لانكشاف مزيد من الحقائق، وربما مزيد من المقابر الجماعية. أما المسارعون في الإخفاء والتعتيم، فيُستحسن بهم الإقرار، ذات مرة، بمعايير ملزمة (وبمحاكمات وتحقيقات جدية) يمكن القول، معها، ان المستقبل قد يُثمر بداية جديدة. عكس هذا يبعث برسالة مخيفة حقاً: إن الحفاظ على «العلاقات الأخوية» يتطلب منا أن لا نعرف شيئاً، وأن نخون دماء الضحايا، ونغرق في فوضى تستدعي الدم بعد الدم. وهي كلفة باهظة للأخوّة.