النهار ، سركيس نعوم

بعد استشهاد زميلنا في "النهار" واحد ابرز "محركي" حركة 14 آذار سمير قصير، ظن جبران تويني الصحافي والسياسي وحامل الهم الوطني الذي كان يحذّره الجميع قبل ذلك من الاغتيال بسبب جرأة مواقفه ومقالاته وشدة تعلقه بوطنه سيداً حراً مستقلاً - ظن ان كأس الاستشهاد ابتعدت عنه. وقد عبّر عن ذلك بقوله لاحد الاصدقاء "لقد افتداني سمير قصير". طبعا لم يفرح لذلك، لان المستهدف عبر سمير كان جريدة "النهار" التي كان احد ابرز الصحافيين فيها الى جانب القضايا الكثيرة التي كان يمثلها وفي مقدمها الحرية والديموقراطية في لبنان والعالم العربي. ولانه ربما فكر بينه وبين نفسه انه مسؤول الى حد ما عن قتل قصير. لكن الظن المذكور تلاشى بعد وقت قصير ذلك ان شهيد "النهار" ولبنان اليوم تلقى تهديدات مباشرة، كما تلقى نصائح بالابتعاد عن لبنان بعض الشيء حرصا على حياته. ولم يكن الناصحون من الذين يمكن الشك في معلوماتهم ومصادرها، وكذلك في حرصهم على "النهار" وعلى لبنان في وقت واحد. استجاب جبران للنصائح وغادر البلاد اسابيع عدة. لكن عموده الاسبوعي في "النهار" بقي، وبصماته على سياستها بقيت بدورها، وبقي مع كل ذلك تواقاً للعودة الى لبنان والى مكتبه في الجريدة، والى منزله في بيت مري. وعاد في ليلة لا ضوء فيها ولا قمر كما يقال. وفي صباح اليوم التالي نزل الى مكتبه معرجاً قبل الوصول اليه على مكاتب زملائه لتفقدهم. دخل مكتبي، هنأته بالسلامة. سأل: "ما رأيك، هل الاخطار مستمرة؟" اجبت: لا اعرف ولا املك معلومات، لكن لا شيء يوحي زوالها. سأل مجددا: "ما العمل، لا استطيع البقاء في الخارج". اجبت: اعتمد سياسة غط الحمام طار الحمام. اي بضعة ايام في لبنان، ومثلها في فرنسا. فرد: "هذا ما انويه".

ونفذ نيته هذه، لكن المجرمين كانوا له بالمرصاد. اذ عرفوا موعد وصوله الذي لم يعرفه رفاقه وزملاؤه واقرباؤه، ونفذوا فيه قرار القتل الذي اتخذوه من زمان على ما يبدو.

ظلم جبران تويني كثيرا، وخصوصا في الفترة الاخيرة. ظُلِم عندما صوّر ان هدفه الاول هو الوصول، بالمعنى السياسي طبعا، وان مواقفه الوطنية والسيادية والحوارية كانت تهدف الى تحقيق طموحاته السياسية. والحقيقة، كما اعرفها وكما يعرفها كثيرون غيري من الذين كانوا اقرب مني اليه، تفيد انه كان يحاور الجميع وخصوصا القادرين في النظام الذي صار معظمه بائدا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الامر الذي كان يولّد انطباعا انه ساع الى موقع ما، لكن ممارسته اليومية السياسية والمهنية كانت تكذّب يوميا هذا الانطباع. ولا ازال اذكر في هذا المجال "رسالة اغراء" بالانفتاح الايجابي عليه وعلى جريدته نقلها اليه صديق من صديق "شقيق". ومعروف ماذا يعني الانفتاح، ولا ازال اذكر رفضه الاغراء وترجمته العملية وتمسكه بلبنان وثوابته وحرصه على صورته عند اللبنانيين ورفضه بيعهم "بكرسي" مع حرصه على علاقات جيدة جدا مع هذا الشقيق.

وظلم ايضا عندما شكك كثيرون بمهنيته، اي باحترافه الصحافي وهو ابن الصحافي الاكبر بل المعلم الاكبر للصحافة اللبنانية في العصر الحديث غسان تويني. فقيل انه يخطب عندما يكتب. وهذا ليس عيبا. فهو كان يكتب كسياسي يخوض معركة استقلال بلاده. وفي معارك كهذه لا بد من الحماسة وحتى التحدي. الا انه كان في الوقت نفسه صحافيا محترفا. فهو من جهة متدخل مثل والده تماما ورغم كل انشغالاته السياسية في العمل اليومي لـ"النهار"، وهو من جهة اخرى محدّث "النهار" في مطلع القرن الحادي والعشرين، مثلما كان والده محدثها في القرن الماضي اي القرن العشرين، وان دل هذا التحديث على شيء فعلى وجود صحافي حقيقي داخل الشهيد منذ الامس جبران تويني الى جانب السياسي الصادق والملتزم قضية وطنية.

قبل اسابيع كتب الشهيد من باريس افتتاحيته الاسبوعية وارسلها الى بيروت. كانت حادة. تشاور في الامر من يقرأها في بيروت مع الاستاذ والمعلم والوالد غسان. قر الرأي على تعديل طفيف لاحد المقاطع فيها. ثم علق الوالد بما يشبه الهمس: هل يستعجل جبران قدره؟

طبعا لا احد يستعجل قدره. فالقدر مكتوب وما منه هروب كما يقال. ولا ينجي حذر من قدر. ولا احد يستطيع "رد القدر" وكل ما يستطيعه الانسان هو "سؤال الله عز وجل اللطف به". ونحن اليوم نسأله ان يتلطف بلبنان وان يدفع شعوبه التي ادى تناحرها وتناتشها المكاسب على حساب الوطن الى التلاقي لاستعادة الوطن اذ ان خلافاتها مكنت القريب والبعيد والشقيق والصديق والعدو من تحويل هذا الوطن ساحة لهم وشعوبه ادوات.

استاذنا الكبير غسان.

اعرف ان شيئا لن يعزيك بفقد الشهيد جبران. لكن قد يصبرك ان تعرف ان كل من في "النهار" جبران وان كل شباب لبنان على "اختلافهم وتناقضهم" جبران. وهؤلاء سينجزون التغيير الذي عمل له وبدأه مع اخوان له اعزاء منهم من استشهد ومنهم من لا يزال ينتظر الاستشهاد.