نزار جاف/ايلاف

الاشارات الاخيرة التي صدرت عن الرئيس السوري بشار الاسد، والتي لمح فيها بلغة هي أقرب للتهديد من أن"الشرق الاوسط في قلب العالم، وسوريا الان في قلب الشرق الاوسط، وسوريا مع العراق إن لم يکن الوضع فيهما جيدا ستضطرب کل المنطقة، والعالم کله سيدفع الثمن"، هذا الکلام مهما حاولنا تأويله أو تحليله، فإنه يبين بوضوح المأزق الذي وقع فيه الحکم السوري و يحاول بشتى الوسائل و السبل أن ينفذ بجلده من تداعياته الوخيمة. إلا أنه ومع الإقرار بالمأزق السوري، فإن ذلک يدعو أيضا لحمل إشارات الاسد على محمل الجد ومنحها حجمها الواقعي الذي تستحقه، ذلک أن النظام الذي أشعل نار فوضى عارمة في العراق و جعل لبنان تحت رحمة سياراته الملغومة، يعني جيدا ما يقول وهو يلفت أنظار ليس طرف واحد أو حتى طرفين أثنين وإنما أطراف عديدة وبالتحديد کل أطراف لعبة حصر الهر السوري في زاوية الموت! وقد يکون إغتيال النائب اللبناني المعارض لسوريا السيد"جبران تويني"في حادث إنفجار، أول الغيث الذي توعد به الاسد! وليس من الغريب بتسارع النائب الدرزي وخصم دمشق اللدود السيد "وليد جنبلاط"الى إتهام الحکم السوري بتدبير الحادث سيما وأن لديه خبرة طويلة في التعامل مع دمشق ويدرک طريقة الرفاق السوريين في حسم المواقف حين تعجز لغة الحوار عن فرض المنطق السوري على کل من لا يفهم أبجدياته! والمثير للأمر هو إقتران وتزامن إشارات الاسد و إغتيال السيد تويني مع التقرير الذي قدمه السيد ديتلف ميليس الى السيد کوفي عنان والذي فيه إشارات الى "تورط سوري"في إغتيال السيد رفيق الحريري. ويأتي تأکيد السيد ميليس على أنه"ثمة"تورط سوري في القضية، مع عدم إکتراثه بتغيير إفادة الشاهد"هسام"الذي عولت عليه دمشق و ظنته القشة التي سوف تقصم ظهر البعير. ومن الممکن جدا تفسير ذلک الضوء المرکز الحارق الذي إنطلق من مجهر ميليس عبر تقريره الاخير، من أنه رسالة واضحة أخرى من المجتمع الدولي للحکم السوري، رسالة تؤکد أن التحقيق الدولي في جريمة إغتيال السيد الحريري سوف تستمر حتى الشوط الاخير وأن محاولات الإلتفاف على التحقيق أو إخراجه عن إتجاهه الصحيح أو فبرکة مسائل مخابراتية للنيل من مصداقية التحقيق، هو عبث لا طائل من ورائه. لکن نظام حکم بدأ مشوار تعامله السياسي في لبنان و المنطقة بلغة التفجيرات و الإغتيالات السياسية، سوف لن يکون هينا الى الحد الذي يمکن من خلاله حمل تهديدات الرئيس السوري على إنها مجرد عبارات أدبية لثني المجتمع الدولي عن قراره بمعاقبة الجهة التي وقفت خلف إغتيال السيد الحريري وليس الاشخاص کما يحاول السيد بشار الاسد تأويله، بل إن إشارات الاسد الابن هي واضحة جدا بوضوح رسالة المجتمع الدولي. الحکم السوري من خلال أعلى مسؤول في هرمه الإستبدادي يؤکد أن النظام السوري سوف يمضي قدما في سياسة إشعال المنطقة، وإن واشنطن أو الغرب لو "إستکثرا"سوريا على حزب البعث العربي الاشتراکي بعد أن خرج من العراق مهزوما، فإن هذا الحکم سوف "يستکثر" العالم کله على المجتمع الدولي!! ومن هنا کانت تهديدات السيد بشار الاسد بأن"العالم کله سيدفع الثمن". ومهما يکن من أمر، فإن الحکم السوري لن يکون بوسعه إبداء موقف أفضل من الذي أبداه و يبديه رئيسه"الإصلاحي"الشاب خصوصا وأنه هو الآمر الناهي و هو من ستؤول إليه الامور کلها في نهاية المطاف، ولاأعتقد أن حزب البعث بتراثه القمعي الإستبدادي يملک لغة تعاطي أفضل من هذه التي جهر بها الرئيس بشار الاسد. لکن بقت نقطة مهمة جدا لابد من الإشارة إليها، وهي أن قضية إغتيال السيد جبران تويني سوف لن تمر مرور الکرام على المجتمع الدولي وإن الحکم السوري مهما کان بارعا في حبک خطته الإجرامية بإغتيال النائب تويني، فإن تنفيذه في مثل هذه الظروف بالذات، ستؤکد أن دمشق قد أخطأت مرة أخرى، حين إختارت شخصا غير مناسبا وفي توقيت قد يکون غير مناسب لطقس سوريا السياسي المتخلخل والخاضع في الاساس لتقلبات المناخ السياسي الدولي.