نزار سلوم

في إطار التعريف برؤيته للعلاقة السورية – اللبنانية، يعتمد رئيس الوزراء اللبناني السيد فؤاد السنيورة "قولين حكيمين لرجلين حكيمين" والرجلان كانا في سدة الرئاسة الثالثة في لبنان في حقبتين متباعدتين زمنيا ومختلفتين وصفا، هما: رياض الصلح ورفيق الحريري.

حيث قال رياض الصلح مرة: "إن لبنان لن يكون ممرا أو مقرا للاستعمار على سورية.." بينما قال رفيق الحريري في إجدى المناسبات: "لبنان لا يحكم من سورية ولا يحكم ضد سورية" وبمقدار ما يفصح القولان عن بعد "عقيدي" إيماني يعود إلى المرجعية الفكرية "الأولى" للرجلين الزعيمين فإنهما ينطويان في الوقت نفسه، على بعد وعدي إلى رؤيتهما المستقبلية إلى العلاقة السورية- اللبنانية، وماذا يستطيع لبنان أن يقدم أو يتعهد أو " يعد" به من التزامات كي تطمئن سورية إلى "أمنها" ووضعها واستقرار حالها.

وما بين البعد "العقيدي" والبعد "الوعدي " ترتسم خريطة السياسة ويتبدى فعلها وتجلياته. لم يبق من قول رياض الصلح إلا اليقين بحسن وسلامة خلفيته التي تحدث مؤسسا عليها قوله، حيث لم يمنع هذا القول مطلقا مختلف الدوائر العالمية من اتخاذ لبنان "محطة رئيسة" للتدخل، ليس في سورية فحسب، بل في مختلف دول المنطقة، العربية منها وغيرها، وذلك على مدى أكثر من ثلاثين عاما، ولا نقصد فقط الإشارة إلى التدخل الأميركي في نهاية الخمسينات، بل نشير إلى مختلف المفردات المعروفة والمرتبطة بالأحلاف السياسية والانقلابات العسكرية، والمصالح النفطية، وما إلى ذلك من مسائل مرتبطة بالصراع مع "اسرائيل".

توفي رياض الصلح، وبقي قوله محفوظا في الذاكرة السياسية اللبنانية، ولكن السياسة "الوعدية" التي بشر بها، لم تكن مطابقة للسياسة "الفعلية" فاستعيض في القاموس السياسي مصطلح "لبنان خاصرة سورية الضعيفة" بديلا من "لبنان مقرا وممرا للاستعمار".

ويفصح هذا الاستبدال عن اتجاه لتخفيف حدة التوتر، كما ينطوي على رؤية مختلفة للعلاقة السورية – اللبنانية، ومعالجة مشكلاتها، بإبعادها عن "الحروب الإيديولوجية" التي كانت رائجة – والمستعادة راهنا – ومحاولة ردم الفراغ الذي تتسبب به الجغرافية السياسية التي توضعنا فيها، في نهاية الحرب العالمية الأولى، كترجمة جيو –سياسية لاتفاقية "سايكس – بيكو 1916".

يحيل مصطلح "لبنان خاصرة سورية الضعيفة" إلى معنى حيو – سياسي، يؤكد الإشكالية الدائمة التي تحكم لبنان ووضعه، حيث لا يمكن أن يكون بذاته قادرا على استكمال معنى "السيادة والاستقلال"، الأمر الذي وضعه ويضعه دائما في إطار وأفلاك "استراتيجيات أخرى" دولية وإقليمية. ومن المؤكد أن هذا "المعنى" يتم مؤازرته على نحو واضح بخطاب إيديولوجي يقوم على اعتبار قابليته الحضارية. ويعني هذا استطرادا، اعتبار لبنان جزءا من "الغرب" الأورو – أميركي، وإن عاندت الجغرافية وألصقته كله، بلى كله، بسورية!!

يعبر رفيق الحريري عن إشكالية العلاقة السورية – اللبنانية، على نحو يفترض إمكانية تجاوزها بالقول "لبنان لا يحكم من سورية ولا يحكم ضد سورية".وإذا ما اقترب القسم الثاني من قوله هذا من معنى قول رياض الصلح بأن لبنان لن يكون ممرا ولا مقرا للاستعمار على سورية، ويتخذ بالتالي معنى "وعديا"، فإن القسم الأول من قوله يشكل إضافة خاصة، بكونه ينفي البعد "العقيدي"، القومي تحديدا، الذي يتم تنسيب الحريري إليه، كما السنيورة أيضا، ليقترب درحات ملحوظة من الخطاب الإيديولوجي الذي يعتبر لبنان "وضعا خاصا"..كذا.

استشهد رفيق الحريري، وراج قوله في القاموس السياسي المتداول، كمثال عن الحكمة السياسية التي يفترضها "الوضع الخاص اللبناني"، وتأكد القسم الأول من العبارة فعليا حيث "لبنان لا يحكم من سورية". ولكن هل يستطيع أي أحد الجزم بأن لبنان، راهنا "لا يحكم ضد سورية"؟!

وكيف يمكن الاطمئنان إلى "وعد" الرئيس السنيورة الذي لا يكفيه الاعتماد على إرث الرئاسة الثالثة اللبنانية؟!

هل بتنفيذ البرنامج الأميركي – الفرنسي المشترك، الذي يتولى سفيرا الدولتين الإشراف التفصيلي على متابعته يوميا، مع المسؤولين في لبنان، وأولهم الرئيس السنيورة؟1 هل بتقديم كل سبل المساعدة للهيئات الدولية – مجلس الأمن – لاستصدار القرارات المتلاحقة ضد سورية ؟! هل بالعمل على تنفيذ برنامج متكامل، عبر لجنة التحقيق الدولية، برئاسة ديتليف ميليس، برفده بمعلومات مغلوطة، واستجلاب شهود مزيفين، وشرائهم بالمال، وترتيب شهود آخرين، لتثبيت تهمة سورية بأنها مسؤولة عن استشهاد الحريري؟! هل بمخالفة البيان الوزاري للحكومة، والتعهد في المجالس الدولية بتنفيذ القرار 1559 بكل بنوده، والبرنامج المرافق له، المتصل بترسيم الحدود، من أجل إبطال "السلاح السياسي" للمقاومة قبل إبطال ونزع "السلاح العسكري" لها؟! والعملية برمتها مدرجة في إطار البرنامج الأميركي – الإسرائيلي، ورؤيته للكيفية التي يجب أن تتخذها "إسرائيل" في المرحلة المقبلة،وما يجب أن يكون عليها محيطها، وفي أي وضع يؤكد تفوقها عليه محيطها، وفي كل وقت ؟! هل، وهل، وهل...؟!

من المؤكد، أن تخفيف المخاطر الناتجة عن الوضع الجيو – سياسي ل"لبنان" الذين أحاله إلى "خاصرة سورية الضعيفة" لا يكون إلا برؤية سياسية واضحة المرجعية وبرنامج سياسي واضح غير ملتبس في أهدافه وكيفياته.

هذا وحده يحيل "الوعد" إلى واقع وفعل، ويخرج "حكمة الأقوال" من الألغاز اللفظية إلى فصاحة الأفعال ووضوحها، وإلا فإن اليقين سيقطع "الشك" – مجرد الشك – بـ "الوعد" ليحيله إلى وهم لتزداد "خاصرة سورية الضعيفة" ضعفا ، ويتم تدمير ما فيها من قوة اتجهت صوب الجنوب دائما، لتصطف القوى المستولدة من الوصاية الدولية، لتسمع أمر اليوم: إلى الشرق در..حيث دمشق.