السفير ، جوزف سماحة

كان لبنان في منطقة اضطراب. يدخل هذه الأيام منطقة عواصف. يتجه نحو منطقة أعاصير. إن قوى دولية وإقليمية ومحلية فاعلة في تقرير المصير اللبناني تتصرف وفق منطق <<خرابوي>>: خلاص الغد مكتوب في خراب اليوم. أمران متلازمان يرتسمان. الأول هو دخول العلاقات اللبنانية السورية نقطة توتر لا عودة عنها. الثاني هو تصدع متعاظم في البنية الداخلية اللبنانية. وهما متلازمان لأن هذه هي طبيعة الأمور. يمكن لمن يشاء أن يتأسف لذلك ولكن عليه مواجهة هذه الحقيقة. منذ أن تجدد التجاذب حول لبنان والصراع يأخذ أشكالاً متعددة. ولقد استقر، أخيراً، على شكل لا سابق له، شكل الصراع القاسي بين محكمة دولية وبين محكمة... ميدانية. المحكمة الدولية هي الإبنة الشرعية للجنة التحقيق الدولية. لقد مدّد للثانية وطلب توسيع نطاق عملها وأرفق ذلك بما أسمي طلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي. في انتظار تشكيل هذه الأخيرة ثمة محكمة ميدانية تصدر الأحكام وتنفذها. لم يعد سهلاً التمييز بين طلب <<الحقيقة>> في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبين نقل المعركة إلى الداخل السوري سواء لتغيير النظام أو لتغيير سياسته. إن بعض طالبي <<الحقيقة>> من اللبنانيين يصر على وجود أرضية واقعية لهذا التمييز إلا أن هذا هو، ببساطة، وهم. لا معنى جدياً، هنا، لسيل التصريحات المميزة بين <<المذنبين>> و<<النظام>>، والمطالبة باقتصار العقوبات على <<الأشخاص>>، والمصرة على <<العلاقات الأخوية بين الشعبين>>، وعلى رفض <<الوصاية الأجنبية>> وعلى رسم المسافة عن سياسات دول تملك استهدافات أخرى. هذه شعارات يصدّقها أصحابها على الأرجح (بعض أصحابها) ويمكن لأي مراقب أن يصدقهم وهم يرفعونها. إلا أن النوايا الطيبة لا تحوّل هذه الشعارات إلى سياسة واقعية. إن الواقعي فعلاً هو أن ربط الاستقرار اللبناني بمعرفة <<الحقيقة>> يمر، حكماً، بالتغيير في دمشق. في غضون ذلك تتصرف <<القلعة المحاصرة>> وكأن مقاومتها للتغيير فيها تمر عبر لجم التغيير الذي حصل في لبنان لا بل دفعه إلى الانتكاس. لن يتحمّل مسؤول سوري مسؤولية القول إن الاستقرار في دمشق بات يرتبط عضوياً بقدر من عدم الاستقرار في لبنان. وهنا أيضاً ليس أكثر من الكلام الإنشائي عن الأخوة، والأشقاء، ووحدة المصير... لكن هذا الكلام لا يخفي أن السياسة الجدية هي إدارة الصراع لمنع لبنان من التحوّل إلى منصة ينطلق منها الضغط على سوريا. تشير تطورات الأيام الأخيرة إلى أن العلاقات اللبنانية السورية آيلة إلى مزيد من التأزم: المحكمة الدولية تتخذ شكلاً، والمحكمة الميدانية تتصرف. إن من يقل تأزماً لبنانياً سورياً عليه أن يقول تأزماً لبنانياً داخلياً. والشكل السياسي لهذا النوع الثاني من التأزم ترنّح ما يسمى <<التحالف الرباعي>>. فهذا <<التحالف>> يتعرض للاهتزاز منذ أسابيع. وفي كل مرة كانت محاولة ترميمه <<تنجح>> من غير أن تعمّر طويلاً. وإذا كان يبدو أن قوى فيه تلعب دور صمام الأمان فإن الصمام الفعلي هو الخوف من <<الفتنة>>. يتضح اليوم ومع تسارع الأحداث أن التفارق يتزايد وأن <<تلصيق>> سياسات متعارضة يزداد صعوبة. إن الخيارات الكبرى للأطراف المشكّلة لهذا التحالف تنتقل من كونها متباينة إلى كونها متعارضة. ويقع في قلب هذه الخيارات، كما هي العادة، التصورات حول موقع لبنان الإقليمي والصلة بينها وبين الأولويات الداخلية تغليباً أو إلحاقاً.