النهار ، سركيس نعوم

لا تنسوا الشهيد جبران تويني الذي حوّل الصحافة اللبنانية بل الاعلام اللبناني من ناقل للاخبار ومحلل لها الى صانع للاحداث والى مناضل شرس ضد كل ما يمس الكيان اللبناني وسلامته وسيادته واستقلاله، والذي آمن بالحرية والديموقراطية حتى الاستشهاد وبذل الكثير الكثير من حياته القصيرة ولكن المليئة من اجل وحدة اللبنانيين حول وطنهم رغم انقساماتهم الطائفية والمذهبية، والذي لم يستطع ان يفهم كيف ان السياسيين التقليديين، شبابا كانوا أم كهولا، قدماء أم حديثين والذين وضع الشعب ثقته بهم، يخونون هذه الثقة بتوظيفها لتحقيق مصالح ومكاسب خاصة ويساومون على هذا الشعب بل على وطنه بغية الحصول على رضى خارجي ما اقليمي او دولي يطوبهم قادة وزعماء يفتقدون الشرعية الوطنية او على الاقل معظمهم.

لا تنسوا الشهيد جورج حاوي الذي دفع ثمن اعادة قراءة مرحلة مهمة من تاريخه وتاريخ لبنان وتاريخ المنطقة والعالم اذ اكتشف وهو الذي كان في المقلب اللبناني الاخر المناقض للمقلب الذي كان فيه الشهيد جبران الكثير الذي يجمعه به وبكثيرين غيره. واكتشف ان الشعارات التي خاض ومعه رفاقه اللبنانيون والعرب والدوليون المعارك الطاحنة في لبنان تحت رايتها كانت وسيلة لتصفية صراعات دولية وحسابات اقليمية وعربية ومحلية وكل ذلك عبر لبنان وبواسطة شعبه أو شعوبه. اكتشف كما اكتشف الناس في العالم التقدمي إن شعاراتهم كانت غطاء لسلطة حزب وميليشيا ومخابرات بل لسلطة أفراد في كل هذه المؤسسات. واكتشف كما اكتشف اللبنانيون ومعهم العرب وان متأخرين ان شعار العروبة التقدمية التي حارب من اجلها كان فارغا من اي مضمون وكان غطاء لسياسات لا علاقة لها بالعروبة ولا بالحقوق العربية المغتصبة ولا بالحريات والتقدم فضلا عن انها تسببت بالضرر الاكبر لها كلها.

لا تنسوا شهيد الشعبين اللبناني والفلسطيني وشهيد الدعوة الى الحرية والديموقراطية في العالم العربي والى العدالة على كل صعيد سمير قصير. فهو دفع ثمن معركته ضد النظام غير الديموقراطي في لبنان وضد رعاته الاقليميين. ودفع ثمن تحريضه الاشقاء الاقرب اليه من اجل الديموقراطية والحرية. ودفع ثمن تحريضه في استمرار على احقاق العدالة في الموضوع الفلسطيني. ودفع ثمن اكتشافه وكثيرين غيره ان الاستبداد لا ينشىء وحدة وان القمع لا يبني مجتمعا مستقرا ومزدهرا وان التسلط يقضي على مناعة الاوطان وان استراتيجيا المصالح الخاصة والمكاسب الخاصة لا تبني اوطاناً منيعة ولا تبني جيوشاً قادرة على الدفاع عن نفسها وعن غيرها.

لا تنسوا الشهيد رفيق الحريري الذي علم الشباب اقتناعا منه بانهم امل لبنان في الخلاص من الحروب والفتن الداخلية، وبان العلم وحده غير المتخلف طبعا يمكنهم من اعادة بنائه، والذي اعاد بناء لبنان بعد الحرب والذي كان عازما على متابعة هذا الامر لو لم تقتله ايدي الغدر والاجرام بصرف النظر عن الطوائف والمذاهب والاديان وعن السياسات التي تفرق بين اللبنانيين، وعلى العكس من ذلك بذل الشهيد الحريري جهودا جبارة في الداخل كي يتكوكب اللبنانيون كلهم حول وطنهم معتبرا ان الدين لله والوطن للجميع، وبذل جهودا جبارة مع الخارج الشقيق، قريبه والابعد، لاقناعه بان لبنان الموحد والمستقر والمزدهر والسيد ضمان له وليس تهديدا. وبذل جهودا جبارة مع الخارج الدولي الذي حوله صديقا بصدقه وعزيمته كي لا يتخلى عن لبنان. وفي كل مسيرته الاقتصادية والسياسية والاعمارية والنضالية بل الوطنية لم يفرط بالمسلمات الوطنية ولا القومية. فحمى المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي ولكنه حاول ايضا حماية الوطن ضد اخطار اخرى فدفع الثمن.

لا تنسوا الشهيدين الحيين مروان حماده ومي شدياق. فالاول دفع بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن حلفائه ثمن "النكهة الوطنية" اذا جاز التعبير التي اعطاها والفريق الذي ينتمي اليه الى المعارضة المسيحية المطالبة بالاستقلال عن "الشقيق" وباستعادة السيادة والاستقلال وبالعودة الى تنفيذ "الطائف". وقد حولتها هذه "النكهة" وطنية وخصوصا بعدما انضم اليها وقبل استشهاده الرفيق رفيق الحريري وتياره. اما الثانية فقد دفعت ثمن جرأتها وصراحتها وصدقها مع نفسها وثمن "السعادة" والغضب اللذين ما كانت تستطيع ان تخفيهما كلما كانت "تستجوب" ضيفا في "نهاركم سعيد" او كلما كانت تذيع الاخبار من على شاشة المؤسسة التلفزيونية الرائدة: إل. بي. سي.

ولا تنسوا الشهيد الحي الثالث الياس المر الذي لم يشفع له عند من حاولوا قتله تاريخه وتاريخ عائلته "الوطني" منذ عام 1985 وخصوصاً عندما بدا انه بدأ يعي ابعاد ما يحاك ضد الوطن ورجالاته.

ولا تنسوا مع كل هؤلاء الشهيد باسل فليحان وكل رفاق الشهداء المذكورين اعلاه.

ولا تنسوا الشهداء الذين حرروا لبنان او معظمه من الاحتلال الاسرائيلي سواء الذين انتموا الى احزاب وطنية في البداية او الذين انتموا الى "حزب الله" الذي انحصرت المقاومة فيه بعد سنوات من تأسيسه لاعتبارات متنوعة. فاسرائيل احتلت اراضي لبنانية وعربية واغتصبت حقوق شعب عربي شقيق وهددت لبنان في وجوده وفي صيغته الوطنية. وكان ضروريا تحرير الارض المحتلة منها اولا لان ذلك واجب وطني. وثانياً، لانه ما كانت ممكنة المطالبة بالتحرر من الحكم "الشقيق" او من الوصاية الشقيقة في ظل الاحتلال الاسرائيلي الذي يفترض (أي الحكم "الشقيق") انه كان يساعد اللبنانيين للتخلص منه سواء ببناء دولتهم ومؤسساتهم او باقامة وفاقهم الوطني.

لماذا هذه الدعوة الى عدم نسيان شهداء الوطن؟

ليس لاننا تذكرناهم امس فيما كان لبنان يدفن شهيده الجديد الكبير جبران تويني. فهم موجودون في ذاكرة كل اللبنانيين بل في ذاكرة الوطن. بل لأن الممارسة السياسية في لبنان وخصوصا بعد انتفاضة 14 آذار الماضي لم تكن على قدر التضحيات والآمال ولا بحجم الدماء الزكية التي سفحت، ولأن اللبنانيين يقفون اليوم على مفترق خطير جدا، فاما يوحدون صفوفهم او سيستمر تساقط الشهداء "المختارين" بعناية ومن اكثر من فريق بغية تعميم "الشهادة" او "الاستشهاد" على المواطنين.

نأمل ان يكون شهيدنا وشهيد لبنان جبران تويني الذي اعاد بدمه الحياة الى عروق "14 آذار" الاخير والوسيلة الوحيدة لذلك هي اجتماع كل الافرقاء اللبنانيين على تنوعهم وتناقضهم ومن دون عقد او حساسيات او "برامج" مضمرة على الولاء للبنان او لا. فذلك وحده يحميه ويمنع تعدديته من ان تكون نقمة عليه هي التي يفترض ان تكون مصدر غنى له وقوة.