أنور بيجو

جولات المعارك التي تخوضها سوريا اليوم ، والتي ستخوضها في المدى المنظور ، لا بد أن يجري فيها كرّ وفرّ . لكن من الخطأ الجسيم أن يظن المواطن أو المسؤول السوري أو غيرهما ، أن مجرد ظهور مستجدٍّ ما ، من مثل هسام هسام ، أو مؤخراً صدور قرار مجلس الأمن بعد تقرير ميليس الثاني دون عقوبات ، أوما قد يظهر مستقبلاً فيريح قليلاً الأعصاب بعد توتر ، كل هذه التفاصيل التي حصلت أو التي يمكن أن تحصل ، لا نعتقد أنها يمكن أن تثني أو تغيّر اتجاه مسار مشروع أمريكا الصهيونية تجاه المنطقة بصورة عامة ، وتجاه لبنان وسوريا بصورة خاصة ، بل إن في هذا استهانة باستراتيجيات الدول العظمى ، وفي هذا غرق في التفاصيل ونسيان العنوان الأكبر للمشروع المعدّ للمنطقة ، وأيضاً في هذا افتراض أنّ ما يسمّى بالشرعية الدولية كمفهوم ووسائل ، يساوي مفهوم ووسائل قوة العدالة الدولية ، وهذا لا شكّ أنه منافٍ لواقع الحال تماماً ، فلا أمل بالعدالة الدولية لمن يأمل بها ، ولا ندري متى ولأي سبب قد يتخلى عنّا بعض الكبار في مجلس الأمن ، الذين ما زالوا ينجحون ، ليس في إحقاق الحق ، لكن في كسر حدة الظلم ، لكن العالم متحرك ، ولا ندري أية ظروف يمكن أن توضع في وجه روسيا في الشهور الستة القادمة ، فتجد أن مصالحها تقتضي التخلي عنا ، وهذا سبق حصوله مع غيرنا مع فارق الظروف ، لكنه حصل ، ولا شيء يؤكد عدم حصوله .

وحين يتعلق الأمر بمصير وطن ، فلا يمكن أن ترهن هذا المصير لتوازن دولي ما في مرحلة ما ، مع كل أهمية هذا المعطى وأهمية توظيفه في مواجهة المشروع المعادي .

وصلت شعبية جورج بوش إلى أدنى خدّ يمكن أن تصل إليه ، ومع ذلك هو لا يقرّ إلا بأخطاء تكتيكية ، ومنذ أخذ قرار غزو العراق متجاهلا ما يسمى بالشرعية الدولية ، وحتى هذه اللحظة ، هو مصرّ أنه لن يخرج من العراق قبل أن يتحقق ما أتى من أجله ، وما أتى من أجله هو من ضمن ما هو مرسوم للمنطقة ، وهذا كله يشير إلى نمط من السياسة لا يمكن أن يردعها عن تحقيق مشروعها تفصيل معين أو تراجع معين ، بل يشير إلى شراسة في السعي للوصول إلى الهدف مهما كانت الظروف .

خلاصة القول : إن ربح معارك جزئية في وجه أمريكا لن يغير من مسار المخطط الجهنمي الذي سيفتت المنطقة بالعداء ( الذاتي ) ، والنموذج الصارخ لهذا العداء الذاتي هو هذا الذي وصلت إليه العلاقات بين لبنان والشام ، فكل تلك السنين من ( الأخوة والتعاون والتنسيق ) ، انهارت بأيام تحت ضربات المخطط الأمريكي الصهيوني ، وهذا الانهيار شكلاً ومضموناً ، ومهما ادّعى المدّعون ، ما كان ليحصل كما هو حاصل ، مهما كانت أخطاء سوريا في لبنان ، ومهما كانت خيانات من خان سوريا في لبنان .

بناءً عليه ، نعتقد أنه لا يجب الركون إلى التفاصيل ، وإن كان من المحتّم التعامل معها ، بل الشأن الحاسم هو بناء استراتيجية واضحة محددة تتناول شأنين أساسيين :

1- الشأن الداخلي : ففي حين أبدى المواطن السوري في الشام ، وعياً هو محطّ إعجاب كل من يتحقق فعلاً من محتواه ، وفي حين أبدى هذا المواطن حسّاً وطنياً وقومياً لافتاً ، لكن في المقابل أظهرت المؤسسات التي من المفترض أن تحتضن هذا الوعي وهذا الحسّ ، لتجعل من هذا الوعي والحس الوطني قوة مادية صالحة حقيقة للمواجهة ، أظهرت عجزاً لافتاً في أداء دورها .

وهذا يعني أنه حتى هذه اللحظة ، لم يجد مشروع المواجهة طريقاً واضحاً ليبدأ مسيرته ، وبما يتناسب مع قوة المشروع الأمريكي الصهيوني .

بل إن هناك تناقضاً حاداً في واقع واحد ، هناك فصاماً أخلاقياً حادّاً ، يتجلّى في نفس اليوم ، في سلوك وطني راقٍ من جهة ، وفي سلوك أخلاقي فاسد من جهة ثانية ، وبوجود هذا الفصام لا يمكن أن إنتاج طاقة صالحة للمواجهة ، وإن خلق الانسجام وتعزيزه هو مسؤولية جماعية وليس فردية ، وبالتالي إذن هو من مسؤولية المؤسسات .

لا يمكن تصور حياة وطنية متحفزة للمواجهة ، ومستعدة لتقديم التضحيات من أجل صون الوطن وكرامة الوطن ، وفي نفس اللحظة وجود روحية فساد مستشر ما زال قائماً وحاضراً بقوة ، وليس المقصود هنا طرح موضوع مكافحة الفساد ، بل المقصود صون الروح الوطنية والوعي الوطني اللذين تجليا في اللحظة الحاسمة بأبهى صورة ، فليس من عدو للروح الوطنية أخطر من ذلك العدو الذي يخرب علاقة الشراكة بين الشعب والدولة التي ، هي والوحدة الوطنية ، أساس كل نجاح يمكن أن يتحقق في معركة المواجهة .

وهذا حتماً ليس كل الموضوع ، بل هو نموذج عن أحد جوانب الشأن الداخلي ، جانب العلاقة بين المواطن المستعد للمواجهة ، وبين الدولة التي ستقود المواجهة ، لكنها ستواجه بهذا المواطن . هو نموذج عمّا يجب أن يسود في هذه الأيام الوطنية من أخلاق وطنية منسجمة وليست متناقضة ، فالتناقض لا ينتج إلا صفراً .

2- الشأن الخارجي : إن كل ما يمكن بناؤه مع دول العالم من تفاهمات تساند المواجهة السورية للمخطط الأمريكي ، لن يساوي شيئاً ، وسيبقى رهناً للظروف ، إن لم يُبنَ التحالف السوري الإيراني على قاعدة المواجهة المشتركة للدولتين وبالتوقيت نفسه ، فإن الأمل في مواجهة أي منهما منفردة ، ومهما كان الدعم من الأخرى ، فإن هذا الأمل ضعيف .

وليس مفهوماً حتى هذه اللحظة ، أين يلتقي التحالف السوري الإيراني في قراءة الملف العراقي !!! وهل فعلاً هناك من لقاء في هذا الملف أم أن هناك فراق وتناقض ؟؟ بل إن ما يحصل مؤخراً في العراق يثير القلق ، فهل سيتحول العراق ، بعد نهاية ما يسمّى بالانتخابات التشريعية ، من بؤرة توتر منغصة لأمريكا وتحالفها ، إلى ساحة انتصار ؟؟ ويرتفع صوت أمريكا عالياً بهذا النموذج الديموقراطي ؟؟

هل يمكن مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني إذا استقرّ العراق تحت الاحتلال ؟؟ بل هل يمكن تصوّر أي أمل في نجاح المواجهة مع ذلك المشروع دون إدخال العراق إلى معادلة المواجهة ؟؟ نعتقد أن هذا التحالف على المستوى العملي غير ذي قيمة إن لم يكن أساسه إدخال العراق في معادلة المواجهة ، من خلال إحياء مقاومة مشروعة شاملة ترعاها سوريا وإيران .