نصر شمالي

كان بنيامين نتانياهو قد أنهى مع عدد من زملائه فترة حضانة وإعداد دافئة، برعاية السيدة مادلين أولبرايت، عندما حلّ منتصف التسعينات من القرن الماضي، وصار مؤهلاً لاحتلال منصب رفيع بين قادة المستوطنين الإباديين في فلسطين العربية المحتلة. لقد تكفلت أولبرايت، الشخصية الأميركية البارزة في إدارة الرئيس بيل كلينتون، بحضانة ذلك الفريق من اليهود الإسرائيليين مثلما تحتضن الأفعى بيوضها! ولم يكن شرطاً أن يكون أعضاء الفريق من المقيمين في فلسطين المحتلة، فالشرط هو أن يكونوا يهوداً صهاينة بغض النظر عن مكان إقامتهم الأصلي، في الولايات المتحدة أو استراليا أو غيرهما!كذلك لم يكن شرطاً أن ينتقلوا بعد نهاية حضانتهم للعمل في فلسطين المحتلة، بل يمكن أن يعملوا في أية سفارة أميركية وفي أية دولة! وأيضاً لم يكن شرطاً أن تعدّهم أولبريت لصالح الحزب الديمقراطي الحاكم الذي تعمل معه، بل من الطبيعي أن يعملوا تحت إدارة الحزب الجمهوري إذا اقتضت الظروف ذلك! وبالفعل، توجه بنيامين نتانياهو بعد تخرجه على أيدي أولبرايت إلى فلسطين المحتلة التي ليست مركز إقامته الرئيسي، وسرعان ما بدأ يستعد لاحتلال منصب رئيس وزراء الكيان الصهيوني!

في تلك الفترة، أواسط التسعينات، حين كان نتانياهو يستعد لاحتلال منصب رئيس الوزراء، بصفته من قادة اليمين الإسرائيلي وأحد شخصيات تكتل الليكود، كانت الإدارة الأميركية، وفي جملتها حاضنته أولبرايت، إدارة ديمقراطية! وفي تلك الفترة نفسها كانت فرق التخطيط والدراسات الأميركية الجمهورية، اليمينية المتطرفة، تعدّ العدّة لإحداث تغييرات جذرية في الاستراتيجية الأميركية الداخلية والخارجية حال وصول الرئيس جورج بوش الإبن إلى الرئاسة، وقد باشرت هذه الفرق الجمهورية تنسيقها مع الإدارة الإسرائيلية، التي على رأسها بنيامين نتانياهو، من دون أن تظهر على الديمقراطيين الأميركيين وأولبرايت أية إشارة تدلّ على أن هناك خطأ في الحسابات، أو ما يشبه الخيانة من قبل نتانياهو للديمقراطيين الذين احتضنوه وأعدوه، الأمر الذي يعني، طبعاً، أن الولايات المتحدة محكومة بحزب واحد يتظاهر عبر الألاعيب الديمقراطية، وللضرورة التكتيكية، أنه حزبان!

السلام هو الانصياع التام!

كانت أهم فرق الدراسات والتخطيط الأميركية، التي تعدّ العدة لعهد بوش الابن، تتشكل أو تقاد من قبل يهود صهاينة. ومع أن تلك الفرق كانت تعدّ لاستراتيجية أميركية يمينية متطرفة فقد كان أهم قادتها من أصول يسارية "تروتسكية" من أمثال بول وولفوتيز وريتشارد بيرل! وقد أعدّ فريق بيرل الجزء من الاستراتيجية المتعلق بالدور الإسرائيلي في عملية التغيير الاستراتيجي الجذري التي ستعتمدها إدارة بوش، وأبلغها لرئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد بنيامين نتانياهو، تلميذ السيدة الديمقراطية مادلين أولبرايت! يقول الجزء من الاستراتيجية المتعلق بدور الإسرائيليين، والذي أصبح جاهزاً منذ عام 1996 وأبلغ به نتانياهو:" تؤكد الحكومة الإسرائيلية السابقة على مبدأ الأرض مقابل السلام (هذا المبدأ) الذي وضع "إسرائيل" في حالة تراجع ثقافي واقتصادي وسياسي ودبلوماسي وعسكري، وتستطيع الحكومة الجديدة (حكومة نتانياهو) أن تقول أننا سعينا لأربع سنوات إلى السلام المرتكز على "شرق أوسط جديد" لكننا نحن الإسرائيليين لا نستطيع أداء دور الأبرياء في عالم ليس بريئاً! فالسلام يعتمد على طباع خصومنا وعلى سلوكهم، ونحن نعيش في محيط خطير، بين دول هشة ووسط منافسات عنيفة! إن مبادلة الأرض مقابل السلام لن تحقق السلام! وإن مطالبتنا بالأرض، التي علقنا عليها آمالنا منذ ألفي عام، هي مطالبة شرعية ونبيلة، فليس في مقدرتنا الخاصة، مهما قدّمنا من تنازلات، تحقيق السلام بشكل أحادي، ووحده خضوع العرب غير المشروط لحقوقنا، خصوصاً حقنا في الأرض، أي "السلام مقابل السلام"، هو الذي يشكل قاعدة صلبة للمستقبل! وتنبثق مطالبة الإسرائيليين بالسلام مقابل السلام من سعيهم لتحقيق مثلهم العليا، ومن تعطشهم لحقوق الإنسان، وهو التعطش المنصهر في هويتهم بفعل حلم عمره ألفان من الأعوام، للعيش بحرية على أرضهم الخاصة! وهذا الحلم هو الذي يلهم مفهوم السلام، ويعكس استمرارية القيم والتقاليد الغربية/ اليهودية! وهكذا فإن "إسرائيل" تستطيع – الآن – تبني المفاوضات، إنما كوسائل وليس كأهداف، وبما لا يتناقض مع مثلها العليا وإظهار ثباتها الوطني! وبالتالي نستطيع تحدّي الدول (العربية) البوليسية وإرغامها على الإذعان لاتفاقات (السلام مقابل السلام) وبالإصرار على معايير دنيا لمحاسبتها!

إن هذا الكلام لم يرد في دراسات وخطط لجان (إسرائيلية) بل في دراسات وخطط لجان أميركية، ينبغي على الإسرائيليين التقيّد بها سواء أكانوا تحت رعاية الأميركيين الديمقراطيين أم الأميركيين الجمهوريين! وبالإضافة إلى استعراض أوضاع الدول العربية والإسلامية، التي منها ما يعيق استراتيجية التغيير الجذري الأميركية، القادمة مع بوش الابن، ومنها ما يساعد على تحقيقها، فقد خصت الخطة الأميركية قضية "تغيير طبيعة العلاقات مع الفلسطينيين" بتركيز خاص، فأوصت (منذ عام 1996) باعتماد أسلوب "المطاردة الحامية" ضدّ الفلسطينيين في جميع المناطق، وبأن هذا الأسلوب قابل للتبرير ويحظى بتعاطف الأميركيين، فالعنصر الأساسي للسلام في فلسطين (مثل غيرها) هو الانصياع الفلسطيني، ولذلك (قالت اللجنة الأميركية) يحق للإسرائيليين إغلاق "بيت الشرق" في القدس، ويمكن للإسرائيليين والأميركيين تشكيل لجنة مشتركة تراقب مدى انصياع الفلسطينيين، وما إذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية تستجيب لمعايير الانصياع! التوجه لتصفية الرئيس عرفات!

لقد تحدّثت خطة لجنة بيرل الأميركية بلسان الإسرائيليين ونيابة عنهم فقالت (منذ عام 1996) أنه ليس على الإسرائيليين أية التزامات بموجب "اتفاقات أوسلو" إذا لم تقم منظمة التحرير بالتزاماتها (أي إذا لم تنجح في فرض الانصياع على شعبها!) وعندئذ تغدو محاوراً غير حقيقي! ولذلك فإن على الإسرائيليين السعي لإعداد بدائل من قاعدة سلطة عرفات ويملك (بلد عربي) أفكاراً حول هذا الموضوع! تقول الخطة الأميركية (التي هي اليوم موضع التنفيذ) أن على الإسرائيليين التفكير في بذل جهد خاص لمكافأة الأصدقاء (من العرب والمسلمين) ودعم حقوق الإنسان في البلاد العربية، وأنهم قد يجدون التعاون عند العديد من جيرانهم لإنهاء مشكلة عرفات!

وهكذا فقد تقررت تصفية الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ العام 1996 على الأقل، في نطاق الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي سوف تعتمدها إدارة بوش الابن بعد وصولها إلى الحكم، هذه الاستراتيجية التي حدّدت للإسرائيليين دوراً يتخطى دورهم التقليدي المعتاد، بإرباك الدول العربية وإنهاكها لصالح واشنطن، والتحول إلى إرغام الفلسطينيين والعرب والمسلمين عموماً على الانصياع، ومن ثم احتوائهم كسكان مناطق مدارة!

إن كل من يمتلك حدّاً أدنى من الإلمام بتاريخ السياسة الأميركية عبر جميع العهود لن يفاجأ باستراتيجية الإدارة الحالية، التغييرية الجذرية، حتى وإن لم يطلع على وثائق عام 1996 التي تضمنت تفاصيلها، وليس ثمة شك في أن الرئيس الفلسطيني الراحل اطلع على ما تضمنته الاستراتيجية الجديدة، إضافة إلى إلمامه بتاريخ السياسة الأميركية، وبالتالي فإن خياراته الميدانية، ومنها خيار الانتفاضة الثانية، بأدائها المتطور، لم تكن خطأ كما يحاول البعض تصويرها، فهو أدرك عن معرفة عميقة أن الأمور بلغت حداً لا يمكن أن تنفع معه سوى العمليات الميدانية (الفلسطينية والعربية والإسلامية) وأن احتمال تصفيته المقرّرة سلفاً ممكنة إلى حدّ كبير، وهذا ما حدث بالفعل، غير أن ما يجب أن يبقى وما لا يمكن تصفيته هو إرادة المقاومة بجميع أشكالها، خاصة المسلحة، وقد نجح استشهاده في تأكيد هذا الاتجاه.