نزار سلّوم

لم تُستخدم كلمة «الحقيقة» في التاريخ السياسي عموماً، مثلما تم ويتم استخدامها راهناً، وابتداء من 14 شباط 2005 تاريخ استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ومن الأرجح أن هذا «الاستخدام» مرشح للاستمرار في المستقبل المنظور، بالدرجة نفسها من الكثافة والتوتر، على أن يستمر بدرجة أخرى في المستقبل غير المنظور، دون أن يقف على نحو نهائي.

لم يبق سياسي أو صحفي أو قائد أو زعيم، إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

لم يبق حزب أو جماعة أو تيار إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

لم يبق مذهب أو طائفة أو رجل دين إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

لم يبق شخص مشى في تظاهرة سواء أكانت في بيروت، أو صيدا، أو دمشق، أو حلب.. إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

لم تبق حكومة لبنانية، أو سورية، أو سعودية، أو مصرية، أو أوروبية، أو أميركية.. إلاّ وطالبت بـ«الحقيقة»؟

لم يبق رئيس دولة في مختلف دول العالم إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

لم يبق سفير أو مندوب في المنتديات الدولية، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالأخص في مجلس الأمن، إلاّ وطالب بـ«الحقيقة»؟

حتى «إسرائيل»، بلى «إسرائيل» تنشد «الحقيقة» وتطالب بها!! أو يبقى بعد هذا شك في الإجماع الذي تحظى به «الحقيقة»؟ بل، هل ثمة شك في إطلاقية الإجماع على نشدان «الحقيقة»؟

ولكن، من سيلبي مثل هذا الطلب الجماعي؟ بل من هو القادر على الوصول إليها وكشفها كي تطمئن «الحكومات» و«الزعامات» و«الدول» و«الهيئات» والناس الملتاعة من فقدانها؟

تشكلت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري بقرار من مجلس الأمن الدولي، وذلك بهدف الوصول إلى تحديد المسؤولين عن الجريمة تخطيطاً وتنفيذاً، فيما يتم تسميته كشف «الحقيقة كاملة». وإزاء الإجماع المطلق حول هذا الهدف، بدت «الحقيقة» لغزاً، أو طلباً من «غير هذا العالم»، فإن كان طلب «الحقيقة» قد جمع جنباً إلى جنب أخلص الخلصاء مع ألدّ الأعداء، فلا بدّ بأن من تسبب بهذا «الحادث» سيكون من «سكان الفضاء»!! وإلاّ يقتضي الأمر، للمحافظة على الشروط الإنسانية، العمل على تعمير «الحقيقة» وإعلاء هيكلها وفرضها «موجودة».

وعلى ذلك تم تعيين القاضي الألماني ديتليف ميليس رئيساً للجنة، إلى جانب جيش متعدد الجنسيات من المحققين الذين لا يمكن تأطيرهم في نظام إداري مدني، وهم أقرب إلى أن يتوزعوا «كتائب» أو «ألوية» أو «فرق». وقد ترافق تعيين ميليس مع حملة إعلامية أشادت به ورفعت من سمعته إلى درجات سامية من الخلق، شاهقة في العلم والفقه القانوني، فضلاً عن الدراية الاستثنائية بمسالك القانوني الجنائي، وبالأخص «علم الأدلة». والواقع أن هذا الأخير بدا الاختصاص الأثير لدى السيد ميليس. ذلك لأن التقارير الصحفية المتتابعة حوله، التي بدأت تظهر، بعد أن تم التحرر من هيمنة البرباغندا التي «أسطرته» كحرفي ومهني لا يضاهى، أعادت كشف الحيثيات التي تسببت في تعينه، بكونه صاحب باع طويل في «علم تركيب الأدلة» وليس اكتشافها!! أي يستطيع بعلاقاته وقدراته الاستثنائية على تنفيذ برنامج مقرر مسبقاً، وكأن «التحقيق» ليس سوى إثبات «حقيقة» مقررة قبلاًُ، وغير قابلة للتغيير، حتى ولو كانت الأدلة داحضة لها. فعلم «تركيب الأدلة» الدامغة يصل إلى حدّ تجاهل وحذف ما هو «واقعي» وقائم، وتبيان وتظهير ما هو «افتراضي» وغير قائم!! فعلها ديتليف ميليس في الماضي، خصوصاً في تحقيقاته حول تفجير المقهى «لابيل» في ألمانيا، وجاء إلى «لبنان» حاملاً شهادة الخبرة الدولية في اختصاص نادر وسط مناخ سياسي محلي «لبناني» مأزوم وعشوائي وتضليلي، ومناخ سياسي إقليمي ـ دولي، أكثر تأزماً وتضليلاً.

جاء إلى لبنان، كي يفعلها مرة جديدة، ولكن على نحو فيه من الجسارة ما ينقلب على صاحبه ضعفاً، وفيه من «الصنعة السينمائية» ما يحيل فاعله من قاضٍ ومحقق إلى مخرج سينمائي، أو بالأحرى إلى مهندس ديكور يقوم بتنفيذ خلفية وخطوط وألوان مشهد استثنائي في غاية الإبهار!!

وفق «علم تركيب الأدلة»وضع ديتليف ميليس خلاصة تحقيقاته في تقريره الأول، وبنى مشهده على «عمودين» سحريين، أولهما [الشاهد ـ الملك محمد زهير الصديق]

وثانيهما [الشاهد ـ المقنع ـ هسام طاهر هسام].

وفي حين أن الأول انتهى سجيناً في باريس، فإن الثاني نزع قناعه وأطلق لسانه كاشفاً المطبخ السياسي «الأمني» لتأهيل الشهود قبل تقديمهم «وجبة طازجة» للسيد ميليس. فلم يبقى في تقرير ميليس إزاء سقوط «العمودين» إلاّ بعض العبارات الضرورية للمقدمات أو للربط بين الفقرات.

هكذا، بدأت الرحلة المعكوسة لـ«علم تركيب الأدلة»، فما تم تركيبه بدأ يتفكك، ودون أن يتفكك قطعة وراء قطعة، أو دليلاً إثر دليل، بدا وكأن عاصفة ضربته فتشلّع وتمزقت أوصاله، وانكشف «أبطاله» خصوصاً «المحليين» منهم، الذين آثروا إزاء هذا «الدمار» الهروب قدماً إلى الأمام وبأقصى سرعة ممكنة، فيما سيحاول ميليس إعادة تعمير [عمارة أدلة] أخرى، ابتداءً من فيينا هذه المرة، وليس من المونتي فيردي قرب بيروت. من المؤكد أن «العديد» من طالبي «الحقيقة» يعرفون أين يجدونها، وكيف يكشفون عنها، ومن هم «أبطالها»؟ ومن المؤكد أن [واحداً] على الأقلّ من طالبي «الحقيقة»، بما فيهم «إسرائيل» ـ التي تم تحريم ذكر اسمها في هذا السياق ـ هو من قام بها تخطيطاً وتنفيذاً؟

وما بين «العارف» و«المنفذ» تضيق مساحة «الحقيقة» وتكبر «مساحة» النفاق والتزوير حيث يضرب ميليس خيام جيشه.

فبالنسبة إليه وإلى «العارفين» وإلى «المنفذين» لا بأس بأن نتلهى نحن «أم الصبي» بعمارات «الحقيقة» الوهمية التي يشيدها ميليس، فيما يكملون هم عمارة «الانقلاب الدولي» في لبنان!!