د. ثائر دوري

في العالم المعاصر، كما في عالم جورج اوريل الروائي ، الكلمات تعني نقيضها.فالسلام يعني الحرب،و حفظ السلام يعني إشعال الحروب،و الأخلاق تعني الانحلال،و النظام يعني الفوضى ، و الديمقراطية تعني الدكتاتورية، و الصدق يعني الكذب،و الصحة تعني المرض........... قبل عدة أيام انتشرت فضيحة استثمار لجنة جائزة نوبل للسلام أموالها في صناعة الأسلحة،و منها أسلحة محرمة دولياً، فقد كشفت حركة «المستقبل في أيدينا» النرويجية أن الواقع لا يعكس الصورة الظاهرة عن تلك الجائزة.فالحركة كشفت أن لجنة نوبل النرويجية تستثمر قسماً كبيراً من أموالها في شركات أميركية، كشركة «تيرو برايس» التي بدو رها تستثمر أسهمها في شركات تصنيع الأسلحة و منها شركة «لوكهيد مارتين» التي تصنع أجزاء من القنابل الانشطارية المحظورة دولياً و أجزاء لصواريخ تحمل رؤوساً نووية، إضافة إلى شركة «هانيويل» التي لها دور أساسي في تطو ير برنامج الولايات المتحدة النووي.

و حال قطاع الصحة في العالم المعاصر يعكس هذه الصورة ، فالصحة تعني المرض ..........

الطب علم أم موضة؟

أتذكر أن أحد أساتذتنا في كلية الطب كان يردد جملة اقتبسها من مكان ما توصف حال الطب.كان يقول:

(( إن أساتذة الطب يعرفون أن نصف ما يعلمونه لطلابهم خاطيء.لكن المشكلة أنهم لا يعرفون أي نصف هو الخاطيء )) حفرت هذه العبارة عميقا في وعيي ، و إني أتذكرها كلما شاهدت أحد أولئك المنبهرين بالاكتشافات الطبية الحديثة،فيتحدث عنها بانبهار و كأنها ستنقذ البشرية !! أو حين يتحدث أحدهم،و خاصة مندوبي الدعايات الطبية، بحماس عن دواء جديد نزل إلى الأسواق، فيقدمه و كأنه سيقضي على كل الأمراض!!

عند ذلك أتذكر عبارة أستاذنا ، فأسأل نفسي :

- يا ترى هل يتحدثون في النصف الخاطيء أم في النصف الصحيح ؟ لكني متأكد أن التوتر و الشك الذي تحمله العبارة السابقة لم يلامس روحهم و إلا لما تحدثوا بهذا الحماس و هذه الثقة........ عندما كنت في السابعة كانت قصة الشعر الشائعة هي البيتلز ( الخنافس )،و عندما صرت في العاشرة اختفت،لكنها عادت ثانية في العشرين،ثم اختفت من جديد لتحل مكانها أشكال مختلفة من قصة الشعر القصيرة إحداها تسمى المارينز كانت منتشرة في الستينات ............

و عندما كنت في السابعة كانت موضة الشالصتو هي المنتشرة ،ثم انتشر الجينز الضيق،و بعدها عاد الشالصتو و اختفى الضيق، ثم اختفى هذا و عاد ذاك إلى درجة لم أعد قادراً على تحديد التواريخ بدقة..........

و عندما كنت طفلاً كان الأسبرين هو الدواء الأول ، الذي لا تخلو منه صيدلية البيت في الستينات و السبعينات ،لأنه يستعمل كخافض حرارة و مسكن ألم. لكن عندما دخلت إلى كلية الطب عام 1985 كان الكلام عن العلاج بالأسبرين من المحرمات،التي قد تؤدي إلى رسوبك في الامتحان.فقد نسق هذا الدواء بشكل تام بسبب اكتشاف أن العلاج به أثناء الإصابة بالأمراض الفيروسية قد يؤدي للإصابة بتناذر(( راي ))و هو شكل من أشكال التهاب الدماغ المميت. لكن عندما تخرجت من كلية الطب كان الأسبرين قد عاد بقوة إلى رفو ف الصيدليات و بدأ نجمه بالصعود حتى لم تعد وصفة طبية تخلو منه.فإضافة لكونه خافض حرارة و مسكن الم، اكتشفوا أنه يعمل بجرعات خفيفة كمميع للدم ، فهو يمنع التصاق صفيحات الدم.ثم اكتشفوا أنه يفيد اللاتي يعانين من الإسقاط أو من الولادة المبكرة فعولجن به.......

و عندما دخلت إلى كلية الطب كان هناك زمرة دوائية خافضة لسكر الدم اسمها الميتفورمين قد منع استخدامها لأنها تسبب اختلاطا نادراً مميتاً يسمى الحماض اللبني،و عندما أنهيت اختصاصي كانت هذه الزمرة قد عادت بقوة إلى وصفات أطباء السكري،فصارت في الخط الأول لمعالجة مرضى السكري .و بعدها تابعت هذه الزمرة صعودها و ما زالت لتصبح علاجاً لخفض الوزن،و الشعرانية،و الشواك الأسود،و كيسات المبيض.........

و في الستينات و السبعينات كانت الحمية عن مأكولات محددة كالبزر و الفستق و الشوكولا أساسية في معالجة المريضة المصابة بحب الشباب،و في الثمانينات و التسعينات قالو ا لنا إن نوعية الغذاء لا علاقة لها بحب الشباب فلغينا الحمية و بتنا نقول للمريضة كلي ما تشائين.لكن في العام الماضي بدأ رأي مناقض يقول بتأثير الزيوت و الحليب و الشوكولا على زيادة حب الشباب فأعدنا مرضانا للحمية الغذائية.......

في البداية قالوا إن الحمية الغذائية عن الحموض و القهوة و الشاي و الحاد و البهارات ضرورية عند مرضى القرحة الهضمية.و بعد ذلك قالوا إن بعض المرضى الهنود تناولوا الكاري أثناء معالجة القرحة فلم تتأثر نتيجة المعالجة، فاستنتجوا أن الحمية غير ضرورية ، فما يهم هو أن تتناول حبة الدواء ثم افعل ما تريد.و في هذا العام أصيب أحد أصدقائي بنزف هضمي، فراجعنا أحد الأطباء العائدين حديثاً من أمريكا حائزاً على شهادة البورد الأمريكي.و بعد أن أتم تشخيصه و وصف له الدواء (و هذا له قصة سأذكرها فيما بعد ).سألناه عن الحمية، ففوجئت به يقول للمريض :

- كل ما تريد . فقط لا تشرب قهوة على الريق .... ماذا يجري ؟ هل نحن نتكلم عن الطب كعلم مستقر مثل علم الفيزياء، أم نتكلم عن موضات دوائية، بكل ما تعني كلمة "موضة" من معنى؟!!!

هل يجوز في علم الفيزياء، على سبيل المثال، أن تتغير الحقائق العلمية بين السبعينات و التسعينات كأن يكون قانون الجاذبية الأرضية حقيقة علمية مؤكدة تدرس للطلاب و يحلون مسائل الفيزياء استناداً إليه، ثم تنقلب الأمور في التسعينات لنكتشف أنه لا يوجد قانون للجاذبية و يدرس هذا الأمر للطلاب بنفس الجدية السابقة، ثم بعد عشر سنوات تعود الأمور سيرتها الأولى فنؤكد أن قانون الجاذبية الأرضية حقيقة مؤكدة؟!!

حاز العالمان الأستراليان باري ج.مارشال و ج.روبن وارن،لأبحاثهما حول دو ر البكتريا في التهاب المعدة و في مرض القرحة،على جائزة نوبل هذا العام لاكتشافهما جرثومةالهيلوباكتر 1982 التي تسبب القرحة.و لا أعرف لما حازا عليها هذا العام بالذات رغم أنهما قالا باكتشافهم منذ وقت بعيد و بعد أن كادت موضة الهيلوباكتر تنتهي.فهذه الجرثومة وصلت إلى ذروة مجدها في منتصف التسعينيات من القرن الماضي فقد اعتبرت مسببة للقرحة الهضمية و تغيرت بناءا على ذلك طرق معالجة القرحة، فأصبحت المعالجة تعتمد على مضادات الجراثيم إضافة إلى مضادات القرحة الأخرى، و بعد ذلك امتدت موضتها من طب جهاز الهضم إلى اختصاصات الطب الأخرى.فقال بعضهم أنها سبب احتشاءات القلب!!و بنفسي أحصيت في مجال اختصاصي، طب الجلد، أكثر من عشرة أمراض جلدية اتهموا هذه الجرثومة بأنها المسببة لها . كما أنجزت إحدى زميلاتنا دراسة عن علاقة هذه الجرثومة بمرض الشرى ( التحسس)!!!و يومها ظننت أننا سنكتشف أن كل كوارث البشرية سببها هذه الجرثومة المسكينة، التي هي نوع من الجراثيم سلبية الغرام المتعايشة في الغشاء المخاطي للمعدة و التي لم يعرف لها ضرر قبل أن يأتي هذان العالمان و يشرشحانها لتصبح سبب كل بلاوي البشرية.فكل مرض مجهول السبب صار يلقى وزره على عاتقها!!!

قد يبدو هذا الكلام نوع من المزاح و في أسوأ الأحوال نوع من المزاح الثقيل.لكن الأمر ليس كذلك ، لأن الكلام السابق عندما يترجم بشكل عملي فهذا يعني مليارات الدولارات ، التي صرفت على معالجة هذه الجرثومة بالصادات الحيوية، و اتهامها بكل هذه الأمراض يعني أن كل وصفة طبية لمعالجة تلك الأمراض سيتصدرها الصاد الحيوي المعروف باسم كلاريترومايسين، و هذا يعني انتفاخ جيوب منتجي هذا الدواء بمليارات الدولارات.فهل منح جائزة نوبل لهذين العالمين بعد ربع قرن من "اكتشافهما" هو لضخ مزيد من الأموال في جيوب تلك الشركات!!

انقل عن الدكتور انطو ان قربان، المتخصص في تاريخ و فلسفة العلو م الطبية و أخلاقياتها، قول الطبيب و المفكر ايفان ايليتش في السبعينات:«أن المؤسسة الطبية تهدد الصحة» (2).لذلك علينا أن نفتش عن المستفيد الأول من كل ذلك و هي شركات الدواء.

شركات النفط و الدواء تتحكم بمصير البشرية

ما إن أعلنت شركة اكسون موبيل عن تحقيق أرباح اقتربت من 10 مليارات دولار خلال 90 يوماً،بمعدل 75 ألف دولار في الدقيقة فقط في الربع الثالث من العام الحالي2005 حتى قامت الدنيا و لم تقعد.فقد اتُهمت شركات النفط بأنها استغلت نقص الإمدادات الناجم عن إعصار كاترينا و ريتا لترفع الأسعار و تحقق هذه الأرباح .كما سُلطت الأضواء على الأرباح الضخمة لهذا القطاع الاقتصادي، فقد حققت ثلاث شركات ،و هي إكسون موبيل، شركة النفط البريطانية (بي بي)،و شركة شل، أرباحاً قدرها 32.8 مليار دولار في الربع الثالث فقط.و كانت شركة أكسون موبيل وحدها قد حققت أرباحاً بـ 25 مليار دولار في التسعة أشهر الأولى من العام الجاري، مع توقع أن يصل مجموع أرباحها السنوية إلى 32 مليار دولار مع نهاية العام...(3) لكن هذه الشركات قالت إنها مظلومة محسودة و أنهم يرون القذى في عينها و لا يرون الشوكة في عيون غيرها فقدمت مقارنات لأرباحها مع شركات تربح أكثر منها بكثير وتتحكم بالأسعار و لا أحد يلتفت لها ، أو يتكلم عنها.و قام معهد النفط الأمريكي، الذي يعتبر لوبي هذه الصناعة في واشنطن، بشن حملة معاكسة أوضح فيها أن هذه الأرباح منخفضة نسبياً إذا ما قورنت بأرباح الصناعات الأخرى ،و يتابع لوبي شركات النفط شكواه: ((.......و بمقارنة سريعة، يظهر أن ما حققته صناعة النفط يمثل ثلث ما حققته البنوك و شركات صناعة الأدوية،و نصف ما حققته شركات صناعة الشرائح الإلكترونية ))

أي أن صناعة الأدوية هي الأعلى مردودا و الأكثر ربحية و تحقق نتائج بمعدل ضعفي صناعة النفط و أسعارها، أيضاً،احتكارية.لكن الظلم الذي تتعرض له شركات النفط لا يتوقف عند حد حسدها على أرباحها بل يمتد إلى مجال الحرب و السلم،فهي متهمة بأنها تمول الأعمال الحربية للمحافظين الجدد و أنها المستفيد الأول من العدوان الأمريكي على العراق مع شركات السلاح.لكن هناك رأي آخر مفاجيء تماماً،فعودة إلى انتخابات الكونغرس النصفية عام 2002 التي هيأت للعدوان الأمريكي على العراق نرى أن شركات الأدوية هي أكبر داعمي بوش و الجمهوريين و صقور الحرب ،كما دلت على ذلك مبالغ تبرعات الشركات لفريق بوش.لقد حلت شركات الأدوية في المرتبة الأولى قبل شركات النفط و السلاح.و هذا أمر دعا الدكتور الألماني الجنسية ماتياس راث،قبل بدء العدوان الأمريكي على العراق،إلى توجيه رسالة ضد هذا العدوان نشرها في عدة صحف منها الأهرام و النيويورك تايمز كإعلان مدفوع الأجر بتاريخ 28/2/2003. يقول فيها:

((عشية الحرب المحتملة أناديكم بوقف جميع الأعمال العسكرية اعملوا للصحة لا للحرب.هذه الحرب لا تخدم مصلحة شعوب العالم بل تخدم مجموعة المصالح الخاصة والتي تضم قطاع الصناعات الدوائية إلى جانب صناعة النفط.فليس من قبيل الصدفة أن قطاع الصناعات الدوائية،و ليس قطاع النفط كان أكبر الجهات الراعية لأجندة الحرب خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة في نوفمبر 002 (انتخابات التجديد النصفي للكونغرس) و يعدد الدكتور ماتياس في رسالته الأسباب التي تدعو شركات الأدوية لتأييد الحرب.فيقول:

((إن كل دولة تتبنى سياسة وطنية قائمة على العلاج الطبيعي الفعال تعتبر مسمارًا في نعش (التجارة بالمرض) الخاصة بقطاع الأدوية.و لن يخرج من المعركة العالمية بين الصحة الطبيعية و المصالح المالية لشركات الأدوية سوى منتصر واحد.و لهذا السبب فإن مجموعات المصالح في قطاع الأدوية قد وضعت المروجين لها في أهم المواقع السياسية:جورج بوش و توني بلير على رأس أكبر مصدري المنتجات الدوائية.كما أنهما من أكبر المروجين للحرب،و كذلك دونالد رامسفيلد الذي كان كبير المسئولين التنفيذيين و عضو مجلس الإدارة في عدد من شركات الأدوية المتعددة الجنسية (سيرل، جايلد،و غيرهما)،و هو اليوم من أشد المروجين للحرب في إدارة بوش.إن الحروب و الأزمات الدولية طويلة الأمد و تقييد الحقوق المدنية تصب جميعًا في مصلحة تكتل شركات الأدوية، كما أن الحقائق التالية تظهر اليوم في ضوء جديد.

إن صناعة الأدوية كانت أكبر مجموعة صناعية ترو ج لأجندة الحرب في إدارة بوش خلال انتخابات نوفمبر 2002، كما كانت شركات الأدوية أول المستفيدين من قانون الأمن الوطني حيث حصلت على ضمانات بالحصانة القانونية فيما يتعلق بأي أعراض جانبية تتسبب فيها منتجاتها.أما خطاب (حال الاتحاد) الذي ألقاه بوش فلم يدعم الرئيس بوش الصحة الطبيعية الفعالة بل وعد بتنفيذ برنامج يدعم شركات الأدوية بما قيمته 400 مليار دولار (!) تحت غطاء النظام الو طني للرعاية الصحية (ميدي كير)، و حتى الدعم غير المتوقع الذي قدمه بقيمة 15 مليار دولار لعلاج الإيدز في أفريقيا سيعود بالنفع على شركات الأدوية بالدرجة الأولى،و ليس على شعوب أفريقيا.فعلى الرغم من توفر البدائل الفعالة غير المكلفة فسيتواصل اعتماد هذه الشعوب على تكتل شركات الأدوية".))

إن الترافق بين مساري صناعة النفط و الدواء كبير،فخلال العام المنصرم،عام 2005، مر حدثان تاريخيان بالغا الأهمية ، أحدهما يخص قطاع النفط و الثاني يخص صناعة الدواء ، و كلاهما سيؤثر على مصير البشرية.فالحدث الذي يتعلق بصناعة النفط هو أن النفط قد بلغ ذروة إنتاجه حسب المنحني الجرسي الذي رسمه كينك هوبرت عام 1956، و ملخصه: أن كميات البترول المنتجة ستأخذ مسارا يناظر _ بتأخير يبلغ بضعة عقود – المسار الذي ستأخذه تزايد كميات البترول بفعل العثور على آبار بترولية جديدة.و بفضل المنحني هذا تنبأ هوبرت أن ذروة الإنتاج الأمريكي ستكون في نهاية الستينات أو بداية السبعينات و بعدها تبدأ بالتراجع،و حين نشر ذلك أمسى عرضة للسخرية.لكن التاريخ أثبت صحة نبؤته،فبلغ الإنتاج الأمريكي ذروته عام 1971و بدأ تراجعه منذ ذلك العام (4).و بتطبيق نفس المنحني على الإنتاج النفطي العالمي فإن النفط بلغ ذروة إنتاجه عام 2005 و منها بدأ التراجع.و بالتالي فإن هناك ظاهرة الجو ع للطاقة التي ستبرز خلال السنوات المقبلة، حيث أن الطلب العالمي على النفط يتعاظم بدخول مستهلكين جدد كبار كالهند و الصين بينما الإنتاج العالمي يتراجع .و تخيلوا أية صراعات و حروب ستفرزها ظاهرة الجو ع إلى النفط.......

أما الحدث الآخر الخاص بالصناعات الدوائية و حدث في عام 2005 فهو دخول اتفاقية "حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة" (TRIPs) موضع التنفيذ هذا العام على الصناعات الدوائية في العالم الثالث.و هذا أمر بالغ الخطورة ،فهو سيؤثر على صحة و حياة مليارات من البشر . و حين يكون المرض مصدر ربح و إثراء لشركات الدواء فتوقعوا الكثير الكثير من الأمراض !!!