السفير / جوزف سماحة

<<لقد عُمل خلال الأسابيع الأخيرة في مجلس الأمن من أجل تسمية سوريا ومنظمة الجهاد الإسلامي لعلاقتهما بالهجوم الإرهابي ضد إسرائيليين في نتانيا، وهو الهجوم الذي أوقع خمسة قتلى وأكثر من ثلاثين جريحاً. وهو الذي نجح في استصدار إدانة لحزب الله، المنظمة الإسلامية الإرهابية، لهجومه على إسرائيل. ولقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تدين فيها الأمم المتحدة حزب الله بالاسم...>>. هذه نبذة عن التقديم الذي وضعته المنظمة الصهيونية الأميركية تعريفاً بالمندوب الأميركي إلى مجلس الأمن جون بولتون.

يجب أن نعرف أن المنظمة المشار إليها هي الأكثر تطرفاً ويمينية بين الهيئات اليهودية في أميركا، وهي، لغلوها، موضع شكوى من التيارات المركزية في الحالة اليهودية الأميركية، بما في ذلك من التيارات الرافضة لأي انتقاد لدولة إسرائيل وسياستها. أما التقديم فسببه مشاركة بولتون في العشاء السنوي للمنظمة (الأحد 11 كانون الأول)، وإلقاؤه الخطاب المركزي، وتلقيه الجائزة المعروفة باسم <<المدافع عن إسرائيل>>.

لم ينتظر جون بولتون تعيينه مندوباً إلى مجلس الأمن من أجل التميّز بالدفاع عن إسرائيل. لقد أمضى حياته العامة يفعل ذلك. والحقيقة أنه أمضى حياته العامة ساعياً إلى أن تكون السياسة الأميركية في الشرق الأوسط متمحورة حول إسرائيل، وإلى أن تكون إسرائيل المقصودة هي المعبَّر عنها بأقصى الاتجاهات الشوفينية والعنصرية تطرفاً. ولعل هذا هو، بالضبط، ما يميّزه، مع غيره من <<المحافظين الجدد>>، عن أميركيين آخرين، يهوداً أو غير يهود، لا يجادلون في أولوية الأمن الإسرائيلي، لكنهم يعتبرون أن التسوية الإقليمية هي الضمانة الأولى لهذا الأمن.

تحدث بولتون، في ذلك العشاء، أمام ألف شخص. شن هجوماً على الإرهاب العربي والإسلامي واعداً بمحاربته، خص إيران بقسط من الخطاب، امتدح شجاعة المنظمة الصهيونية الأميركية في قول <<حقائق>> يتردد أمامها الآخرون. لكن اللافت أنه استعاد بعض عدائه المعروف للأمم المتحدة ليعتبر أنها لا تعامل إسرائيل كدولة <<عادية>>، وليعد بأن يستمر في النضال من أجل منع الهيئة الدولية من تمويل أنشطة معادية لإسرائيل من نوع الاحتفال ب<<اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني>>.

ما لم يقله بولتون قالته كارولين غليك الصحافية في إدارة تحرير <<جيروزاليم بوست>> والتي تعاني كتاباتها من نوع من <<العصاب الصهيوني>>. شنت هجوماً على اتفاق أوسلو وعلى <<خرافة الرغبة العربية في السلام>>. قد يقول قائل إن هذا مفهوم في الوضع الإسرائيلي الراهن. إلا أنها مضت لتشن هجوماً على أرييل شارون الذي استبدل خرافة أوسلو بخرافة فك الارتباط، وهي أشد خطراً. بكت غليك مستوطني غزة الذين أُرغموا على الجلاء وأفاضت في تعداد المضايقات التي تعرضوا لها والتي يمكن لها أن تتكرر إذا تكرر <<طرد اليهود من أرضهم>>. وأطلقت تحذيراً من احتمال إعادة أرض إلى الفلسطينيين.

وختم رئيس المنظمة الصهيونية ببكائية حول الأوضاع التي تسوء بعد تنفيذ خطة غزة، وشهّر بالأكاذيب العربية عن التمسك بالقدس، ووجّه تحية حارة إلى المسيحيين الصهاينة، أي إلى الأميركيين الداعين إلى الاستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية وتفريغها من أهلها تمهيداً لقدوم المسيح.

إن هذا هو الجو الذي يشعر فيه بولتون بأنه مثل سمكة تسبح في الماء. هذا هو مناخه الإيديولوجي والفكري والوجداني. هذا هو عالمه. وهذه هي الأهداف التي ناضل من أجلها، ووضع في خدمتها المواقع التي احتلها في العمل العام، و<<المؤامرات>> التي حاكها أو اشترك فيها، والأكاذيب التي روّج لها وليس أقلها ما قام به تمهيداً لغزو العراق.

عندما أعيد انتخاب جورج بوش لولاية ثانية لم يجد شخصاً مناسباً يوفده لتمثيل الولايات المتحدة في مجلس الأمن سوى جون بولتون. وإذا كان بولتون معروفاً بأنه من أركان <<المحافظين الجدد>>، فإنه معروف أكثر بنوع من العداء الأعمى للمنظمة الدولية، وبرفض قاطع لكل قيد يمكن لها أن تضعه على الجموح الأميركي حيال العالم. لقد رفض المشترعون الأميركيون، وبينهم جمهوريون، اقتراح الرئيس. ودارت معركة استمرت ستة أشهر أصر خلالها بوش على أن لا رجل إلا بولتون لهذه المهمة. وتأكد خلال تلك المرحلة أن <<المحافظ الجديد>> يجمع إلى أطروحاته المتطرفة شخصية نزقة تجعله مكروهاً من كل العاملين معه. ولما ثبت لبوش أنه لن ينجح في تمريره انتظر دخول الكونغرس في إجازة من أجل فرض الأمر مستخدماً بذلك حيلة لم يسبق لواشنطن استخدامها من أجل تعيين مندوبها إلى ما يسمى <<المجتمع الدولي>>.

قيل يومذاك إن بوش يريد التخلص من بولتون وإراحة كوندليسا رايس في وزارة الخارجية. إلا أن التفسير لم يقنع الكثيرين لأن بوش العائد بانتصار واضح يمكنه التخلص من أي موظف بسهولة. التفسير الأكثر إقناعاً هو أن بوش أراد بولتون رأس حربة في الأمم المتحدة. لقد صدق هذا التفسير بدليل <<النجاح>> المتحقق في تعطيل الوجهة الإصلاحية التي كانت معتمدة عشية القمة العالمية، وبدليل النشاطية البارزة للمندوب الجديد في السعي إلى تحويل مجلس الأمن إلى مجرد أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية كما يراها هو وكما يفهم علاقتها العضوية بإسرائيل.

لقد غادر جون بولتون ذلك الاحتفال الصهيوني بشخصه من أجل أن ينصرف في الساعات التالية إلى التمهيد لإصدار قرار مجلس الأمن الجديد الخاص بلبنان وسوريا، وهو قرار يخطئ من يرى فيه تساهلاً كبيراً مع دمشق.

إن المهم في ما تقدم التنبيه إلى ما يلي: إذا كانت الولايات المتحدة تلعب، عندما تشاء، دوراً محورياً في مجلس الأمن، فإنها تفعل ذلك هذه الأيام لفرض سياسات يرمز إليها جون بولتون. وبناء على ذلك فإنه من المنطقي جداً أن يتملك لبنانيين وعرباً بعض الحذر عندما يصبح لأحد عتاة الصهاينة دور في استصدار قرارات ذات صلة بمصيرهم. لا غرابة في ذلك إطلاقاً. إن الغرابة هي في هذه النظرة المستكينة إلى <<المجتمع الدولي>>، والرافضة لأي نقاش جدي حول العناصر التي تحرّك توجهات الدول الرئيسية المكوّنة له.

إن جون بولتون يخدم إسرائيل دوماً، ومن الواجب التساؤل عن السر الذي يجعله يخدم لبنان عرضاً!