عبر تجربتين أساسيتين يمكن تصور الديمقراطية التي تتطور اليوم باستمرار داخل الشرق الأوسط، فانتصار حماس في فلسطين والأخوان المسلمين في مصر لا يشكلان صورة تفترق عن مسار ثقافي يواجه اليوم تحدي "الفوضى البناءة"، لأن المسألة تتعدى موضوع التشكيل الديني أو تسييس الدين في إطارها العام، وتدخل في جوانبها العامة بظاهرة أكثر عمقا متعلقة بمسار الحداثة من جهة، وبالتأثرات الدولية من جهة. وإذا كنا لسنا مطرين لبرهان أزمة "الحداثة" في مجتمعنا، فإن التأثيرات الدولية عبر صيغ المواجهة مع الإرهاب لا تدع مجالا أمام أي محاولة لكسر "أزمة" الحداثة" أو إيجاد حلول جديدة.

وإذا كانت الانتخابات المصرية شهدت عنفا أشبه بحالة "البلطجة"، فإن الانتخابات الفلسطينية شهدت عنفا آخر من خلال حركة "فتح" التي تعتبر تاريخيا على الأقل من أكثر الحركات تجاوبا مع الشارع الفلسطيني، وفي الحالتين فإن الكثير من القوى التاريخية على الساحتين المصرية والفلسطينية تجد اليوم صعوبة في تخطى الحاجز السياسي رغم طاقتها وأرثها التاريخي. هذا الأمر ربما لا يختلف كثيرا داخل الدولة العبرية، ولكن مع فارق أساسي في طبيعة الأحزاب، فاستطلاعات الرأي تظهر أن حزب شارون الجديد "إلى الأمام" سيحصل على مساحة واسعة داخل الكنيست، متجاوزا الحالة التاريخية للحزبين الرئيسين. وهذا الأمر يعتبر أيضا انقلابا على المساحات السياسية القديمة، والفارق الأساسي بين ما شهدته الساحتين الفلسطينية والمصرية في مواجهة "الإسرائيلية" أن الأخيرة أوجدت حزبا جديدا حتى ولو لمّ بعض القيادات من الأحزاب الأخرى.

وإذا كنا بالفعل أمام مظهر سياسي "جديد" فإنه أيضا يعبر عن طبيعة التفكير في إيجاد مخارج عملية لما تعاني منها المنطقة إجمالا. وإذا كان من المتوقع أن يستطيع التيار الديني في مصر كسر مساحات الأحزاب الأخرى، فإنه أيضا ينقل تعبيرا عن الحلول التي تراها الثقافة الاجتماعية إجمالا عندما تستخدم التعبير السياسي .. ولكن السؤال يبقى إلى أي مدى يمكننا الاعتماد على الحلول القديمة؟!! أو حتى الأشكال التاريخية للأحزاب ... لأن ما حصل في مصر لم يخرج عن إطار "الحلول التاريخية" ... وما حصل في فلسطين، رغم حداثة تشكيل (حماس) ليس بعيدا عن التفكير التاريخي.

التجربة المصرية والفلسطينية، وبالطبع العراقية، لا تحتاج إلى إعادة تركيب حتى نستطيع استيعاب ما حدث، لأننا أمام أمر واقع، لكن المذهل هو البقاء في النطاق التاريخي، رغم قسوة الأحداث التي مرت على المنطقة ... فنطاق التاريخ لا يبدو اليوم خيارا بقدر كونه محاولة لإعطاء فرصة جديدة لتطلعات التراث .... ودعونا لا نفكر في المستقبل!!!!