السفير /جوزف سماحة

بيان <<انتفاضة الحرية>> وثيقة مهمة جداً. قد تكون من أهم ما صدر في هذه الأزمة اللبنانية المندلعة منذ سنة والمفتوحة على الاحتمالات الخطيرة كلها. لقد صدر البيان عن اجتماع ضم حوالى نصف عدد النواب في البرلمان اللبناني من الذين يمثلون الأغلبية النيابية والحكومية. يمكن له، بهذا المعنى، أن يكون برنامجاً وزارياً موازياً.

العبارة المفتاح في هذا البيان هي تلك الداعية إلى <<توحيد الجهود بين الدولة والمجتمع في مواجهة حرب النظام السوري على لبنان>>. وهي كذلك لأنها تقدم وصفاً للعلاقات اللبنانية السورية بصفتها علاقات <<حربية>>. أو لنقل إنها حالة حرب من طرف ضد طرف. الطرف الأول هو <<النظام السوري>> والطرف الثاني هو <<الشعب اللبناني>>. ويقترح البيان خطة عمل ترتفع الدولة اللبنانية بموجبها إلى مصاف مسؤوليتها في الدفاع عن شعبها ضد العدو الذي ينقضّ عليه. وتقوم الخطة المشار إليها على إنهاء الثنائية ضمن السلطة التنفيذية (ضد رئيس الجمهورية إميل لحود، وضد معارضي التصويت أي حزب الله وحركة أمل)، كما على إجراء تطهير أمني وقضائي وسياسي شامل ضد بقايا <<العهد البائد>> وعلى فتح ملفات الفساد والمقابر الجماعية. إلى ذلك تؤشر الخطة إلى ضرورة إجراء حوار وطني يخاطب عداء <<التيار الوطني الحر>> لسوريا وعداء <<الثنائية الشيعية>> لإسرائيل. وتنتهي، أي الخطة، باقتراح مجموعة تدابير عملية داخلية ذات طابع حواري وتنسيقي وتعبوي.

يمكن للمرء أن يتفهّم المضمون الحاد لبيان مكتوب تحت وقع الاغتيالات الإرهابية المستمرة. إلا أن ذلك وحده ليس عذراً كافياً لواضعي البيان لأن الظرف السياسي الذي يعيشه لبنان كان يفترض فيه أن يوفر الحكمة المطلوبة لتطويق الحدة المنفلتة من عقالها. يبقى أننا أمام برنامج متكامل يقدم تشخيصاً للعلاقات اللبنانية السورية، واللبنانية اللبنانية، ويقترح سبل حل المأزق الراهن. ثمة ملاحظات لا بد منها في معرض المناقشة الأولية لوثيقة <<انتفاضة الحرية>>.

أولاً إن العلاقة السورية اللبنانية أكثر تعقيداً من أن توصف بأنها حالة حرب من سوريا على لبنان. ومصدر التعقيد هو أن هذه العلاقة هي جزء من شبكة تداخلات إقليمية ودولية لا يجوز إغفالها. إن أي منصف يمكن له أن يلاحظ الاستهداف الأميركي لسوريا ولأسباب ليست كلها متصلة بالوضع اللبناني. إن هذا الاستهداف (الباحث عن تسوية صعبة) يضع سوريا في موقع دفاعي وهو جزء من سياسة أصلية تميّز استراتيجيات الإدارة الأميركية الحالية في منطقتنا. كما يمكن لأي منصف أن يلاحظ، أيضاً، أن واشنطن تستخدم ذرائع لبنانية (ولو محقّة)، وسلوكيات لبنانية، من أجل أن توفر لحملتها شعارات عادلة تخفي العدوانية الأميركية المعطوفة على رعاية التوسعية الإسرائيلية. وبهذا المعنى يجافي <<البريستوليون>> الإنصاف لأنهم لا يرون سوى جزء من المشهد. وما يجب قوله لهم إن شعورهم بالبراءة حيال دمشق غير قابل للإسقاط على الشعور الأميركي (والإسرائيلي) حيال دمشق.

لا مجازفة في القول إن لبنان عاد ليكون موضع تجاذب. وما قد يبدو هجوماً سورياً فوق أرضه هو، في وجهه الآخر، سلوك دفاعي حيال قوى تمتطي مطالب لبنانية لتصفية حسابات من نوع آخر. إن أي تدقيق في المشهد يجعلنا نقدم تقديراً لما هو حاصل بين لبنان وسوريا يتجاوز الكلام عن <<الذئب السوري الهاجم على النعجة اللبنانية>>. إن في أفق هذا المشهد عناصر أخرى يحاول <<البريستوليون>> جهدهم للتعامي عنها.

ثانياً نعم قد تكون المرارة دافعاً نحو سياسات سورية معينة حيال لبنان. غير أن الهدف المنسوب إلى دمشق وهو الرغبة في استعادة نمط العلاقة السابق، إن هذا الهدف غير مقنع. قد تكون سوريا راغبة في تغيير التوازن اللبناني. وهذا هدف مشروع إذا كانت وسائله مشروعة إلا أن دمشق لا تقاتل في لبنان من أجل <<حق العودة>>. لقد دخلنا في مرحلة تراجع فيها اهتمام النظام السوري بالاستقرار اللبناني. أكثر من ذلك. يمكن القول إن النظام السوري صاحب مصلحة في زعزعة هذا الاستقرار خاصة إذا استقر على وجهة قد تخدم الخطط الأميركية ضده وقد تعمد إلى مطاردته والتضييق عليه وحصاره بعد انسحابه من لبنان. إن الإحاطة الدقيقة بهذا الواقع المتشابك تبقي الوضع بعيداً عن <<الوصف الحربي>> المعطى له في البيان.

ثالثاً إذا كنا فعلاً في حالة حرب دفاعية ضد سوريا فهذا يعني أن كل متضامن معها، ضد ما تتعرض إليه لأسباب إقليمية، هو في منزلة <<الطابور الخامس>>، في مرتبة العمالة لعدو. يكاد البيان يلمح إلى هذه الناحية. إلا أنه يستثني من هذا التلميح <<الثنائية الشيعية>> علماً أنها الأرفع صوتاً في التضامن مع سوريا <<قيادة وشعباً>>. لا نعتقد أن قوى <<انتفاضة الحرية>> تتوقع انجذاب <<حزب الله>> وحركة <<أمل>> إلى مشروع سياسي يرمي إلى تعزيز المناعة اللبنانية حيال ما يعتبر <<عدواناً سورياً>>. كذلك ليس من المتوقع انجذاب <<التيار الوطني>> إلى هذا المحور لأن المقترح عليه السكن في بيت تم تأثيثه وشغل غرفه. المطلوب من <<التيار>> أن يدعم من الخارج وفوق ذلك أن يدعم من دون الاطمئنان إلى تبني بنود من البرنامج الذي يقترحه.

يجب أن يكون مفهوماً أن الدعوة إلى حسم كل ثنائية، أمنية خاصةً، تثير ذعراً لدى المقاومة. لقد باتت متهمة الآن بأن حمايتها الأمنية هي رديف مباشر لتعريض أمن الآخرين للخطر والحل المقترح لا يقل عن رفع هذا الغطاء عنها! رابعاً يمثل لقاء البريستول الأخير الأكثرية النيابية والحكومية. والبرنامج الذي يطرحه مختلف عن البيان الوزاري. والواضح أن توزيعاً جديداً للأدوار يقضي بأن يحتفظ الرئيس فؤاد السنيورة بموقفه الحواري في حين تتحوّل الأغلبية، أغلبيته، إلى قوة ضغط يستعين بها. إن هذه الأغلبية هي تلك المتخلصة من ضرورات التوافق مع <<الثنائية>> وغيرها. وبرنامجها هو برنامج ما بعد التصويت في جلسة مجلس الوزراء والاعتكاف الذي تلاه. وإذا كانت هذه الأغلبية جادة في تنفيذ هذا البرنامج فإننا نكون اهتدينا إلى أقصر طرق التوتير والتصدع.

خامساً أن نكون في حالة حرب دفاعية حيال سوريا فهذا يعني البدء بإلغاء الاتفاقات الثنائية، وتقديم شكاوى إلى جامعة الدول العربية ومجلس الأمن، وتحريك الجيش بعد تغيير عقيدته، والتمهيد للبحث في حمايات خارجية. إلا أنه من الواضح أن البيان لا يقدم على الاستنتاجات المفترضة من المقدمة التي يقترحها. ويشير ذلك إلى قدر من الانفعال في الصياغة، إلى قدر من الخفّة التي لا تحتمل. ومع ذلك سيبقى لما قيل معناه وأثره. إنه خطوة على طريق الوضوح. صحيح أن المجتمعين يشكلون أكثرية نيابية وحكومية. لكن الصحيح، أيضاً، أنهم لا يضمون أكثريتين شعبيتين ولو غير متجانستين: <<الثنائية>> و<<التيار>>. لذا يصعب الكلام عن نصاب وطني حقيقي. ويصعب الكلام عن ضرورة عدم التفرد في قرار السلم والحرب... حتى لو كانت دفاعية!

ليس لقاء البريستول <<14 آذار>> ولا هو <<التحالف الرباعي>>. إنه بين بين وكان عليه أخذ ذلك بالاعتبار. لقد تفوّقت حركة 14 آذار على 8 آذار بالحشد الشعبي وحصل ذلك بفضل العونيين، وتشكلت الأكثرية الراهنة بفضل التصويت الشيعي. إلا أن السلوك المتبع يوحي أن مخاطبة الشيعة تتم وكأن العونيين مضمونون ومخاطبة الجنرال عون تتم وكأن التحالف الرباعي قائم! سادساً إننا أمام واقع لا يخلو من غرابة: ها هي الأكثرية الحاكمة تقترح مشروعاً نضالياً. إنه نضالي ضد تردد <<حكومتها>>، وهو نضالي، خاصة، ضد قوى مدعوة للانضمام إليه. ما هكذا تخاض الحروب! ولا هكذا نتقدم على درب معالجة أزمة لا يحسن بيان <<انتفاضة الحرية>> تحديد معالمها!