الشرق القطرية/أ. د. مصطفى رجب

الصورة الخارجية لدولة إسرائيل تختلف كثيراً عن التناقضات الحادة التي يعيشها المواطنون داخل إسرائيل، ففى حين يرسم النظام الحاكم صورة وردية في إعلامه الخارجي: واحة من الديمقراطية، وجنة من الرفاهية وحقوق الإنسان مصونة إلى أقصى ما يمكن من صيانة يعكس الإعلام الداخلي الصورة الحقيقية لمجتمع متهافت يمارس:

1- أقصى إهدار لحقوق الإنسان: كما حدث في حالة «فعنونو» الذي سجن 18 عاماً لإفشائه أسرار المفاعل النووي الإسرائيلي وما يزال رهن الإقامة الجبرية بعد انقضاء سجنه.

2- التمييز العنصري ضد العرب من سكان إسرائيل وتضييق الخناق عليهم في بناء المساكن وإبقاء أحيائهم غاية في القذارة وسوء الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية.

3- التناقض الطبقي بين الأغنياء والفقراء.

4- اتباع أسوأ سياسات التشغيل مما أدى لتفاقم أزمة البطالة.

والمطلع على الصحافة الإسرائيلية يجد لهذه الأوضاع شواهد كثيرة منها ما نشر في جريدة هاآرتس بتاريخ 9/8/2005، بقلم روني سيناي تحت عنوان «أخطر تقرير عن الفقر في إسرائيل وجاء فيه أن أسرة من بين كل خمس أسر في إسرائيل تعيش تحت خط الفقر. وأن هناك إسرائيليا من بين كل أربعة إسرائيليين يعيش تحت خط الفقر.. كما أنه من بين كل ثلاثة أطفال إسرائيليين يوجد طفل يعاني من الفقر. وقد صرح عضو الكنيست ونائب وزير الرفاه افراهام رابيتس الذي قدم أخطر تقرير للفقر، نشرته مؤسسة التأمين الوطني، بقوله: إننا شعب فقير».

وقد انزلق تحت خط الفقر خلال عام 2004 أكثر من 107 آلاف إسرائيلي ليصبح عدد الفقراء في إسرائيل مليونا و53 ألف شخص، يشكلون نسبة 23.6% من إجمالي عدد السكان في إسرائيل وذلك مقابل 22.4% خلال عام 2003 ولأول مرة تتجاوز نسبة الأسر الفقيرة في إسرائيل الـ 20% لتصل إلى 20.3% أي 394 ألف أسرة مقابل 19.3% من الأسرة الفقيرة عام 2003. كما ارتفع عدد الأطفال الفقراء بمقدار 61 ألف طفل ليصل إلى 714 ألف طفل، أي ما يعادل 33.2% من أطفال إسرائيل مقابل 30.8% خلال عام واحد!!

والشئ الأكثر بروزاً هو زيادة نسبة الفقر بين الأطفال: فقد زادت نسبة الأطفال الفقراء منذ عام 1998 بمقدار 50% وعلى حد قول د. يجتال بن شالوم مدير عام مؤسسة التأمين الوطني ، فإن نسبة الأطفال الفقراء في إسرائيل تعد الأعلى بين دول العالم المتقدم. ولأول مرة تتجاوز نسبتهم في عام 2004 نسبة الأطفال الفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية. وقال بن شالوم، خلال المؤتمر الصحفى الذي عقده لتقديم هذه البيانات، إن المساس بالأطفال هو مساس بالمستقبل الاقتصادي لدولة إسرائيل.

وفي رأي «رومي سيناي» أن توقيت نشر هذا التقرير لم يكن من قبيل المصادفة حيث إن مؤسسة التأمين الوطنى كانت قد قررت للمرة الأولى هذا العام نشر البيانات الخاصة بالفقر مرتين سنويا، إحداهما في منتصف العام والأخرى في آخره، في محاولة للتأثير على شكل وطريقة بلورة ميزانية الدولة، خاصة أن الحكومة من المقرر أن تعقد جلسة لمناقشة ميزانية 2006 قريبا.

وكان عضو الكنيست رابيتس قد دعا الحكومة إلى وقف عملية التقليص المستمرة في مخصصات الأطفال، والتى بدأت عام 2003 ومن المتوقع لها أن تنتهي في عام 2009 كما دعا رابيتس إلى أن ترفض الحكومة اقتراح وزارة المالية بتراجع الحكومة عن وعدها بإعادة مبلغ الـ 24 شيكلا لمخصصات الطفلين الأول والثاني، والتي كان قد تم استقطاعها.. ومن جانبه، قال بن شالوم: من غير الممكن أن يقوموا بتقليص مخصصات الأطفال بمقدار تسعة مليارات شيكل، في حين يرصدون 21 مليار شيكل لتخفيض الضرائب، الأمر الذي لا يستفيد منه إلا أثرياء الدولة.

وحسب تصريحات «ليئا أحدوت» نائب مدير عام البحث والتخطيط بمؤسسة التأمين الوطني، فإنه من الواجب على مؤسسة التأمين الوطني مواجهة ليس فقط وقف عملية التقليص لمخصصات الأطفال، بل أيضا مواجهة ضريبة الدخل السلبية عن طريق منح دعم للموظفين من ذوى الأجور المنخفضة وهي الفكرة التى نجحت في تقديمها للحكومة ووزارة المالية، ولكن لم يتم التوصل بعد إلى قرار نهائي في شأنها.

وقد اقترحت وزارة المالية تحديد ضريبة الدخل السلبية بـ 50 شيكلا شهريا. وهو المبلغ الذي وصفته أحدوت بالمبلغ غير المحترم وغير المفيد.

لقد أضر الفقر بجميع الشرائح السكانية في إسرائيل، حيث ارتفعت نسبة الفقراء من كبار السن من 22.3% إلى 25.1% وارتفعت نسبة الأسر الفقيرة ذات العدد الكبير من 49% إلى 54.7% كما ارتفعت نسبة الأسر الفقيرة ذات العائل الوحيد من 27.6% إلى 31.4 % كما ارتفعت نسبة الأسر الفقيرة التى يعولها موظف من 10.3% إلى 11.4%.

وقد أعلن «مركز مساواة» لحقوق الجمهور العربي يوم 8/8/2005 أن نصف الأسر العربية في إسرائيل تعيش تحت خط الفقر وهي تشكل تقريبا ثلث الفقراء كما أعلن المركز أن حوالي 60% من الأطفال العرب فقراء.

والطامة الكبرى أن الارتفاع ليس فقط في عدد الفقراء، بل إن فقرهم ازداد وتعمق فقد كان متوسط دخل الأسرة الفقيرة ممن يعيشون تحت خط الفقر 33.3% وذلك مقابل 30.5% عام 2003، وكان خط الفقر بالنسبة للفرد يصل إلى 1777 شيكلا، أما بالنسبة للأسرة المؤلفة من أربعة أفراد فيصل خط الفقر إلى 4548 شيكلا.

إن تعميق وزيادة الفقر كان أكثر بروزا في الأسر اليهودية ذات العدد الكبير، والأسر التى لا يعمل عائلها، ويرجع السبب في ذلك إلى التقليصات المستمرة في مخصصات التأمين الوطني، والتى دخلت حيز التنفيذ منتصف عام 2003، ولكنها نفذت بشكل كامل عام 2004م.

كما ازدادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء في عام 2004 فبينما ارتفع بالفعل مستوى المعيشة الاقتصادي، لكن الواقع أنه بينما ارتفع دخل أغنى أول ثلاثة من كل عشرة فقراء في إسرائيل بمقدار يتراوح بين 5% و6% انخفضت قيمة دخل بقية العشرة بمقدار 9% ولمن تليهم بمقدار 2%.

ولقد أدى تقليص المخصصات أيضا إلى إضعاف قدرة مؤسسة التأمين الوطني على إنقاذ الشرائح الأكثر فقرا وضعفا في المجتمع. ففي عام 2003 نجحت المخصصات في إنقاذ 43% من الفقراء و25%، من الأطفال الفقراء من الانزلاق تحت خط الفقر، بينما أنقذوا في عام 2004 (40%) فقط من الفقراء و 19% من الأطفال الفقراء.

ومن ناحية أخرى، انخفض بالفعل معدل البطالة خلال عام 2004، وازداد عدد العاملين، ولكن الأجور وحجم التشغيل لم يكونا كافيين لتعويض أولئك الذين خرجوا إلى سوق العمل لتعويض ما فقدوه من المخصصات فحوالي أكثر من 40% من الفقراء عبارة عن أسر ذات عائل واحد. منها أكثر من 5% يعولها شخصان واستمرت نسبة الأسر الإسرائيلية ذات العائل الواحد، التى أصبحت تعيش تحت خط الفقر. في الارتفاع عام 2004 حتى وصلت إلى حوالي 21% مقابل 17.6% عام 2002، وهناك 58% من الفقراء العاملين كانوا يعملون في وظيفة كاملة.

والشاهد الثاني على تفسخ المجتمع الإسرائيلي هو ماكتبه الحاخام يوفال شيرلو الذي يعمل مديراً لإحدى المدارس الدينية العسكرية في جريدة يديعوت أحرونوت يوم 6/8/2005 تحت عنوان (لواء أسود) والذي تحدث فيه عما تنبأ به المتنبئون من دمار قريب ينتظر الدولة العبرية بسبب انتشار الفقر والفساد، وتعفن البنية التحتية الأخلاقية والاجتماعية، وفساد السلطة الحاكمة.

وفي هذا المقال يقول الحاخام شيرلو: كان من بين ما أدى اليه الفساد في نظام الحكم غياب العدالة في توزيع الأموال والموارد: فها هو أجر العامل لا يصل إلى الحد الأقصى منه، وهناك العمل طوال أيام الأسبوع دون راحة، وعدم توافر الاستقرار، وإقالة كبار السن، والتفاوت في مستويات الدخل بين الرجال والنساء، وتشغيل عمال أجانب في ظروف غير إنسانية، والاتجار بالنساء.. إلخ إنها أسس العبودية الحديثة تتم تحت غطاء إيديولوجية السوق الحرة والخصخصة!!

وها هي ذي علامات اليأس تبدأ في البزوغ : بدءا بانتحار زوجين من وسط إسرائيل لأسباب اقتصادية، وانتهاء بحادث القتل في شفا عمرو الذي وصم الصراع من أجل أرض إسرائيل.

إن الخصخصة جيدة بالفعل بالنسبة للاقتصاد والمشروعات الصغيرة، ولايمكن إنكار ما أدت إليه من إنجازات، غير أنه يجب أن تكون هذه الخصخصة مصحوبة بقوانين عمل عادلة وتطبق كما ينبغي وساعتها فقط يكون النظام قد أدى دوره. علاوة على أنه سيجعل الاقتصاد قادرا على خوض منافسة حرة، ويدافع كذلك عن كل المتضررين منها ولكن للأسف يتجلى فساد دولة إسرائيل في أنها تطبق الشق الأول فقط (تحرير الاقتصاد) دون أن تدعم الخصخصة بقوانين عادلة، ومن أجل ذلك، بات مجتمعنا أكثر شراسة (لأنه لا يكفل أي قدر من المساواة) وفاسدا على مستوى العلاقة المفزعة بين رأس المال ونظام الحكم والصحافة مما يجعلنا نراه مجتمعا يوشك على الخراب!!

إن من يريد التصدى للفساد والفوارق الاجتماعية المخيفة وسفك الدماء دفعة واحدة يجب عليه ألا يصبغها بأي لون كان، والإبقاء على اللون الوحيد المناسب لوصف مجتمع كهذا، وهو اللون الأسود!!

فقط بالحب المجاني والمصالحة نستطيع أن نتحدث بعد رفع الجور الشديد وتطهير المجتمع من الفساد. فلا يوجد حب مجاني دون أخلاق وعدل!!

انتهت شهادة الحاخام وهي لا تحتاج لتعليق!!