النهار/ سركيس نعوم

بين 1990 و2004 كان يفترض ان يقوم اللبنانيون اولا، بانهاء مظاهر الحرب او الحروب في ما بينهم. وثانياً، بازالة آثار هذه الحروب ورواسبها من النفوس. وثالثا، بتطبيق نصوص اتفاق الطائف الذي لم تكن مهمته وقف الحروب فقط او انهاءها بل اعادة بناء لبنان الدولة المنيعة والمستقلة والعادلة والديموقراطية والمتصالحة مع محيطها العربي وخصوصا مع سوريا الشقيق الاقرب الذي بينه وبين لبنان اواصر صنعها التاريخ والجغرافيا. ورابعا، باعادة بناء لبنان الامني والاقتصادي ولبنان النمو والانماء ولبنان الاجتماعي. لكن ذلك لم يحصل. وما حصل كان مظاهر خادعة اي دولة شكلية على كل المستويات. وكان ايضا غياب المصالحة الوطنية الفعلية او الوفاق الوطني الحقيقي. وكان في اختصار استمرار حروب القبائل والشعوب في لبنان سياسيا واستعداد تام لتحويلها حروبا عسكرية في الوقت المناسب اذا دعت الحاجة الى ذلك. وكان ثالثا سيادة الرياء والتملق والتزلف والتكاذب. وكان رابعا استشراء الطائفية ومعها المذهبية علما ان احد اهم الاهداف الوطنية لما عرف في حينه بـ"السلم الاهلي" او لاتفاق الطائف كان وضع لبنان على طريق الغاء الاولى الذي من شأنه اوتوماتيكيا تقليص حدة الثانية تمهيدا للتخلص منها. وكان خامسا واخيرا "نسيان" الآلاف من اللبنانيين الذين استشهدوا، سواء برغبتهم او غصبا عنهم من اجل قضايا متنوعة او متناقضة بعضها وطني وبعضها الاخر قومي وبعضها الثالث وربما الاهم طائفي. ومسؤولية ذلك لا يتحملها فريق واحد بعينه، فالمسؤولية الابرز والاهم بل الاولى تقع على القبائل والشعوب اللبنانية لان بعضها قبل اتفاق الطائف على مضض بعد خسارته حربا شرسة استمرت نيفا و15 عاما اقتناعا منه بضرورة السير مع التيار العربي والدولي الدافع في اتجاه انهاء الحروب، ربما في انتظار ظروف افضل في المستقبل. ولان بعضها الآخر رفض الهزيمة وتحرك في اتجاه التعبئة الشعبية لرفض تكريس ما حصل داخليا واقليميا تمهيدا لتغييره. ولان بعضها الثالث اعتبر، وهو المنتصر حسب ظنه او اعتقاده، اتفاق الطائف برعاته المعروفين طريقا لفرض الاعتراف بانتصاره على الذين انكروه عليه. ولان بعضها الرابع صدق ان المنطلقات القومية والوطنية هي المحرك الاساسي لكل التحركات اللبنانية والخارجية من اجل لبنان. ولان معظم قادة الاطراف اللبنانيين غلّبوا مصالحهم الخاصة والفئوية عند دخولهم اللعبة عام 1990 على مصلحة الوطن وحققوا الكثير من طموحاتهم، وإن على حساب طموحات الوطن واهله العاديين.

طبعا، لا يعفي ذلك جهات اخرى غير لبنانية من المسؤولية عن حال الحرب اللبنانية في لبنان خلال سنوات كان يفترض فيها اقامة السلام الشامل والكامل. فالمجتمع الدولي الذي كان مؤمنا بان الاستقرار والمصالح الحيوية والاستراتيجية، وفي مقدمها النفط وامن اسرائيل، اهم من الديموقراطية ومن حقوق الشعوب اعتبر انه قام بواجبه يوم اوكل الى شقيق للبنان معروف بالبراعة والحكمة والحنكة امر تطبيع الاوضاع فيه. والمجتمع العربي الذي شارك اللبنانيين من جهة في "صوغ" ميثاقهم الجديد ووعدهم بالمساعدات المتنوعة وبعدم التخلي عنهم لم يف بوعده ثم تركهم لخلافاتهم المزمن منها والمستجد مفضلا مصالحه الاساسية على مصلحتهم. وذلك امر مشروع بين الدول وان شقيقة. اما سوريا التي اوكل اليها الامر اللبناني فتصرفت في لبنان انطلاقا من استراتيجيتها وانطلاقا من قابلية اللبنانيين بعضهم للبيع والشراء والمساومة وبعضهم للتعلق بالمصالح الخاصة وبعضهم للتمسك بالمصالح الفئوية وبعضهم لتحقيق انجازات وطنية ونجحت في ذلك سنوات طويلة.

لماذا هذا الكلام الآن؟

لان اللبنانيين وصلوا عمليا الى الحال التي كانوا يرفضون الاقرار بها في السابق والتي كانوا يعترضون كلما اثارها اعلامي في مقال او سياسي في قضية او موقف، وهي ان الحرب او الحروب لم تنته في لبنان. بل ان الاسباب العميقة لهذه الحرب او الحروب لم يزلها الحكم اللبناني الذي كان مكلفا هذه المهمة بل عمّقها سوء تصرفه وتقديره وقراءته للاوضاع الداخلية والخارجية وتفضيله الشخصي او الخاص على العام واقتناع راعيه او رعاته الاقليميين بان ما كتب قد كتب وان تغيير الواقع القائم صار من المستحيلات.

ولان خروجهم من الحال الراهنة وعدم انجرارهم من جديد الى حروب اهلية جديدة تقليدية او غير تقليدية لن يحققها المجتمع الدولي على اهمية عودته الى الاهتمام ببلادهم لان مصالحه اغلى من دماء اللبنانيين ومن مصير وطنهم ولن يحققه المجتمع العربي اولا لعجزه وثانيا لخوفه. وحدهم اللبنانيون على كونهم شعوبا وقبائل قادرون على انقاذ وطنهم من شبح الحرب او الفوضى اللائح في الاجواء ولكن بالحوار فقط وليس بالاستقواء بالخارج اي خارج. وحدهم قادرون كل وفقا لعلاقاته و"تحالفاته" الخارجية على تطمين الخارج المتنوع الى ان "لبنان الجديد" الذي لم ير النور بعد لن يشكل خطرا عليه والى ان استقراره يدعم استقرار هذا الخارج وليس بـ"الخيم" التي مع الاسف صارت على اهبة التحول "خيما" فئوية. اذ ماذا يمنع "8 اذار" من اقامة خيمة؟ وماذا يمنع "14 آذار" الآخر من اقامة خيمة وماذا يمنع افرقاء اخرين من اقامة خيمهم، فهذه الخيم توحي اليوم، ونعتذر لكل الشهداء الغالين الاحياء منهم والاموات الذين نجحوا في خيمة سابقة في استعادة استقلال بلادهم، بالاصطفاف استعدادا لاستئناف الحروب.

طبعا، قد يعتبر كثيرون هذا الكلام تنظيرا ومثاليا وهو قد يكون كذلك. لكن لا مكان لكلام آخر اليوم. والمهم في كل حوار او في كل تمهيد له او في كل خلاف بين القبائل والشعوب اللبنانية ان لا يجادل احد بل ان لا يفكر في التعرض لـ"اتفاق الطائف" تعديلا او تغييرا او تحويرا او حتى الغاء. ففي ذلك عودة الى الماضي الاسود. المهم عدم دفع اللبنانيين الى اليأس بحيث يصبح وطن كل واحد منهم عائلته الصغيرة فقط ويصبح همه الوحيد توفير امنها وسلامتها ومستلزمات عيشها.