هيثم المهنا

غربان الليل تنعق... مثل أمواج الموت تنعق... مثل عنقاء تأكل أولادها... لا تترك حتى الحلم ... حتى النور... تكره الفرح والحياة... تنبئ بالموت في كل لحظة. أنا لا أقول طلاسماً... ولا أكتب شعراً أو نثراً... أنا أسفح دمعاً... أسفح دماً ... على وطن خلق للفرح... خلق للحياة... خلق لأن يكون قطعة من السماء على الأرض. أبكي وطناً مزروعاً بالحب تعفر بالموت والحقد , فأصبح مصيدة الأحياء من أجل الموت المطلوب قومياً وعلى كل الصعد والجبهات... أبكي لبنان الجميل... فرح السماوات في الأرض... موعد عشق الآلهة على ضفاف النور... سنابل الحب التي تحمل الخير والحياة والأمل... نهر الود المتدفق بركة ونوراً واستنارة... جبل الشوق المعشوق والموشى بأهداب العيون... القابع كالطود في أرض الرحمة. أبكي لبنان المسرة... لبنان الأعجوبة... لبنان الوحي الرباني في قانا... والعرس الأزلي الذي كلل بالأعاجيب... أبكي لبنان... دوحة الشرق والعيد المنبثق مع طلوع الشمس... أبكيه ألماً وحسرة ودماً ومراراً, غربان الليل تنعق... تنبئ بالشر مع كل فجر يبزغ... تحمل موتاً لا ينتهي يجر موتاً وراء موت... لقد باعوه... قتلوه... وهم يدفنون أحياءه في كل حين... الوجوه اللامعة الباسمة تحت صفرة الموت المخفية في طيات وجوههم المتحذلقة المتغطرسة... دون رحمة ولا براءة . قال غسان تويني... يكبر فوق الجرح... يسمو فوق الألم... يرتفع كما صنين... لندفن الأحقاد مع دفن جبران... وذلك أزعج الغربان فازداد النعيق... واتسع التعليق والتصفيق... ولم يتوقف الهذيان المخلوط بالزيف والكذب والسوقية... ويزداد لبنان نزفاً وموتاً... وتتسع المدارات وتزداد مساحة التباكي على حساب أن يكون لبنان... هم يريدون ذلك... هم رسموا ذلك... وهم يحققون ذلك... كيف لا يكبرون كما غسان تويني؟ كيف لا يتعلمون كيف يكون الكبر... كيف يكون الرجال... كيف تحمى الأوطان, وكيف تبنى الأوطان... لكنهم لا يريدون أن تبنى الأوطان. لله درك أيها الكبير... أن ترتقي فوق الجرح... بل فوق الموت لذي يريدون للبنان, يريدون لسورية... يريدون لكل بقعة ضوء في دنيا العرب المظلمة, وفي ظلمة الاستهداف والقتل والدينونة... لله درك... أما تعلم هؤلاء الصبية المتباكين كيف ينزرع الأمل في تربة الشر ليحيلها بناء يزداد شموخاً من أجل غد طفل يولد اليوم ليكون الغد الباسم المشرق... من أجل أن تبقى زرقة السماء صافية تنثر نور الحق والحقيقة على العالم, وتؤنس جلساتهم بحكايا حور البحر القادمة بالحب والبركة... وتندي لياليهم بالسمر والمطر والأماني الجميلة الندية... هم يقتلون لبنان... وقلب كل عربي يتمزق... هان عليهم دم شهيد سوري خضب تراب لبنان المقدس فاتهموه... هان عليهم وجيب كل فرد في سورية على حزن لبنان وجرح لبنان فاعتبروه عدواً بل كان العدو جاراً أقرب منه... هم يسرقون لبنان أرضاً وسماء وماء ووجوداً, هم يبيعون لبنان للجلاد... بل يبيعون الموت في لبنان من أجل الجلاد... من أجل ألا يبقى لبنان وأن يتهدم لبنان... من أجل أن يحترق الحق في أرض العرب والنبوءة... في أرض القيامة والمعراج... في فلسطين... ومن أجل أن يستباح الخير العربي لكل الطامعين القابعين في عقول المراهنين والمرتهنين, ومن أجل أن يقتل النور في فكر أي فرد في هذا الوطن الكبير... وأن يقتل الحلم... فلا يبقى لبنان, ولا يبقى العرب. هذا هو الزمن الرديء... الذي يبيع فيه الأهل الأهل... وتنهب الأوطان, بل تشنق الأوطان على أعواد الشهوات والارتهان والفجور السياسي والأخلاقي الذي أصبح حرفة وصنعة... يوم هانت الأوطان وبدأت المزايدات فيها عليها, في أسواق الدجل والإلحاق والالتحاق... جرح سورية جرح لبنان... هم يدركون ذلك ولا يريدونه... ولكن... لن يبقى الليل طويلاً... ولن يستمر نعيق الغربان... فمع كل إشراقة أمل بلبنان جديد... يدفن الحاقدين مع أحقادهم, ليبقى لبنان الخير... لبنان العرب والعروبة, يهدهد الأمل والبسمات لأهله في سورية... تغرد فيه القبرات من النبطية حتى الأمانوس... وتصدح فيه النوارس من الناقورة حتى الإسكندرونة. ذلك لبنان الذي نعشق... ولا بد أنه سيولد في لحظة المخاض المريرة.