هيثم المهنا

" المرء بأصغريه : قلبه ولسانه " حديث شريف. ويقال لا يبنى البيت إلا بأهله, بالحرص والمسؤولية. بالصدق والأمانة, وبالطوية الحسنة والفعل الخير والإيجابي.

وقلب الإنسان يعني طويته, شعوره, إحساسه بانتمائه ومسؤوليته, الدافع الأساس في سلوك المرء وغايته, النابض بالحياة من أجل أن يبنى البيت ويستمر, ولسان المرء, سلوكه, قوله, المفصح عن الطوية, المتآلف معها, المنتظم بالتعبير عن حقيقة المكنون, المعلن عن الغاية والهدف, الموجه في التطبيق والأداء الدال المباشر على ذاتية الفرد وشخصيته وبنائه.

وبالتالي, فإن معيار الإنسان ما يحمل في طويته والحكم عليه على ما يصدر منه, حيث يعتبر المرء سوياً إذا توازن فعله مع قوله, مع طويته, وهو الصادق المؤتمن الأمين, المسؤول الواثق الموثوق وعلى أمثاله تقع تبعات البناء وينتظر التقويم والاستقامة, ويعتبر المرء كاذباً, إذا تناقضت أقواله مع أفعاله ومع طويته في الزمان والمكان, وتضاربت آراؤه في أمور محددة ومعروفة, وقلب الحقائق إلى نقيضها, ومن مثل هؤلاء ترتكب الأخطاء والشنائع, وتتولد المشاكل والإشكاليات في كل الأمور, وهم الأقدر على الوصول إلى الصدارة وعلى تسويق كذبهم ولو إلى حين.

أما أن يكون المرء أكثر قدرة على اختلاق الأكاذيب وعلى أن يحيك السلوك والممارسة بعيداً عن الواقع والمنطق ومجانبة للحقيقة والموضوعية, وأن يغير الحقائق وهو عالم بها, ممالأة وتماشياً مع أهداف شريرة بعيدة عن الصدق والأمانة فذلك هو الفجور بعينه. فكيف إذا أصبح صناعة واحترافاً. وسلفاً نقول : الكلمة مسؤولية, سلاح بأكثر من حد, تحمل أكثر من هدف ومن معنى في ذات المعنى, فكيف تكون النتيجة إذا أسيء استعمالها, تحدث ضجيجاً إذا لم تحمل أي معنى, وتخريباً إذا تضمنت الإساءة والتفريق والكذب, وبناء إذا صدقت فيما تحمل وكانت أمينة لما تصبو إليه.

وفي واقع الحال القائم في الذات العربية عموماً, والخصوصية المتوضعة بين القطرين الشقيقين سورية ولبنان, يتنامى الفجور الموجه باتجاه سورية, عبر ضغط دولي متصاعد ومتلون ومستمر عبر مؤسسات ولجان دولية جهزت وضبطت إيقاعاتها بما يتوافق مع الغاية والهدف أو بصمت ورضى وأياد وأفخاخ عربية جاهزة مجهزة للتنفيذ وتهيئة الأجواء والمناخات لاستنتاجات واستقراءات وتوقعات وتكونات وتصورات مسبقة ومعدة وقراءات متطابقة تماماً مع الغاية والمقصود كأنها أعدت سلفاً لحدث متوقع الحصول ليتم إطلاقها تباعاً وبزخم غريب, وضخ هائل من المعلومات الملفقة تعشعش في عقول الناس لتخريبها إلى حين ظهور الحقيقة حيث" من ضرب ضرب ومن هرب هرب " لتخلق لدى المتلقي الكثير من التساؤلات من جديد, وتثير الشك في ذهن الكثير من الأشخاص من جهة ثانية, وتضعف الثقة بمعلومات الناس من جهة ثالثة, وبالتالي تخلق الأرضية المناسبة لنسق من الأحداث اللاحقة, تعزز ما يحصل لدى الإنسان العربي في ظل وإطار الواقع العربي المهزوم والمستلب والمرتهن للأنظمة والخارج. كما يتلقفها الكثير ممن لهم مصلحة بتضخيم وتسويق هذه الأحداث لأمر ما ونشرها وتوزيعها وتصديقها وتعميقها.

وهذا ما يحصل لدى فريق من إخواننا اللبنانيين, حيث أصبح استنباط الأقاويل هواية, وخلق الأكاذيب "موضة" وحرفة, وابتداع التلفيقات صناعة وتكسباً يختلقون من خلالها كل أشكال السوقية الإعلامية والفكرية والسياسية, وقلب الحقائق رأساً على عقب, وآخرها ما بنوه على لسان مندوب سورية في الأمم المتحدة ووزير الإعلام السوري بعد الكلام الكبير الذي صرح به السيد غسان تويني" وحكماً لم يعجبهم لأنه يسقط في أيديهم" ونصب الأحاييل مهنة للمتسوقين عند عتبات أبواب القوى الكبرى والفضائيات الهوائية الرخيصة (حتى لو امتلك أصحابها الأموال الكثيرة), مدفوعة الأجر مسبقاً بكرامتها ووطنيتها وانتمائها ومحبتها للغير والوطن. فما هكذا تزدهر الأوطان, ولا هكذا يكون البناء لمن يتشدق بالبناء, فالأوطان أكبر من كل كلام, وأسمى من كل أشكال الذل والتذلل, وأرفع من كل مظاهر الفجور وأقدس من كل شعارات التمترس خلف العدو والغريب.

لم تكن سورية في يوم عدو لبنان, لم تكن إلا التوأم الحقيقي للبنان منذ أن خلق الله التاريخ والأرض والبشر كانا هكذا, شهداء ولا أكرم, دماء ولا أطهر, محبة ولا أقدس, أزهرت سورية في أرض لبنان حتى يبقى لبنان, حتى يحيا لبنان, حتى لا يتحول لبنان "كما أعد ويعد له وينفذ فوق أرضه" إلى فيدرالية طوائف, حتى لا يكون لبنان وطن الحقد الاغترابي والتغريبي على قداسات الوجود العربي في أرض العرب, حتى لا يكون لبنان المستجدي على موائد القوى المتربصة ينتظر فتاتها ليعيش بشروطها أو يموت, حتى لا يكون لبنان فلسطين من جديد تسرق بوعد بلفور جديد يحمي طائفة هي جزء من نسيج خلقه الله جميلاً, وبمقررات لجان دولية تقترح تقسيمه, المؤامرة كبيرة ومستمرة, متسلسلة ومتكاملة الفصول, والتنفيذ دقيق في الزمان والمكان والهدف في كل ولكل مرحلة, وبدقة متناهية منذ 11 أيلول وحتى الآن وما سيلحق آتياً, لن يكشفوا الحقيقة, ولا يريدون كشفها, هم يعرفونها ولكنهم يبحثون عنها في مكان آخر لأن إظهارها ينهي وجودهم حتماً, ويستمر في إطار ذلك كل أشكال الفجور والتعدي والاستعداد, هي المؤامرة الكبرى وأهداها محددة واضحة, لأنه عندما يتحول الفجور إلى حرفة, تهون الأوطان, ومتى هانت سهل ضياعها واستلابها, سهل نهش لحمها, ضباع الشر متربصة, والجزارون كثر, والولائم معدة, والغزال الجميل يحيط به المفترسون, فإن لم يدافع عنه أهله , افترسته الضباع ولن يبقى منه إلا الخيال والذكرى. فهل وعى المستأجرون: جملوا أعماقكم بالفضيلة فتلك لكم الأبقى.