محمد عبدالهادي

يشهد المسار الفلسطيني الإسرائيلي في عملية التسوية حاليا تطورات خطيرة تتمثل في محاولة إسرائيل اعادة تعريف أسس النزاع بشكل يترجم مايسمي بـ الحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين ومن ثم وراثة الانتداب البريطاني علي فلسطين‏,‏ وذلك بإعادة اعلان قيام دولة اسرائيل استنادا لهذا الحق التاريخي وليس إلي وعد بلفور‏1917‏ بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين أو إلي قرار الأمم المتحدة رقم‏181‏ لسنة‏1947‏ بتقسيم فلسطين إلي دولة يهودية ودولية عربية أو إلي قرارها لسنة‏1948‏ بالاعتراف بدولة اسرائيل‏,‏ وفي نفس الوقت القبول باعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة علي أرض اسرائيل التاريخية كاجراء يحول ذاك الحق التاريخي إلي حقائق علي الأرض‏.‏

وقد قدمت اسرائيل والادارة الأمريكية معطيات جديدة لهذه النتيجة خلال الأسابيع الماضية‏,‏ فإلي جانب رفض قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالحقوق الفلسطينية وعلي رأسها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والتراجع عن مرجعية مدريد‏1991,‏ واتفاق أوسلو‏1993,‏ واتفاق القاهرة في مايو‏1994‏ والذي نص علي اعلان قيام دولة فلسطينية بعد خمس سنوات أي في مايو‏1999‏ وتهديد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات آنذاك بوقف المفاوضات في حال أصر علي تنفيذ اتفاق القاهرة‏,‏ وإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش في أكتوبر الماضي تراجعه عن رؤيته التي اعلنها في يونيو‏2002‏ للتسوية النهائية بقيام دولة فلسطينية قبل نهاية‏2005,‏ بدعوي أنه لايمكن تحديد موعد لذلك‏,‏وبأن الوقت غير ملائم وغير ذلك من المعطيات‏.‏

فإلي جانب ذلك كشف مسئولون اسرائيليون أخيرا عن الأهداف الحقيقية وراء هذه التراجعات‏,‏ وهي اعادة تعريف أسس النزاع‏.‏

فقد أعلن إيال آراد احد مستشاري شارون في الثالث والعشرين من شهر نوفمبر الماضي أن شارون لايؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام‏..‏ و بأن الفلسطينيين يريدون‏(‏ من وجهة نظره‏)‏ الاستقلال وليس الأرض‏..‏ وشارون سيمنحهم الاستقلال مقابل الأمن‏..‏ وهذه هي الصيغة الواقعية وليست صيغة الأرض مقابل السلام الكاذبة‏.‏

ومن ثم فان معارك حصول الفلسطينيين علي الأرض مقابل حصول اسرائيل علي السلام تتعارض مع معادلة اسرائيل الرامية إلي مقايضة الاستقلال‏(‏ علي أي مساحة تحددها من الأرض‏)‏ بحصول إسرائيل علي الأمن باعتبار أن الواقع العربي يجعل حصول إسرائيل علي السلام أمرا مفروغا منه‏.‏

وبرغم نفي مكتب شارون‏(‏ تكتيكيا‏)‏ تصريحات آراد إلا أنه لم يمر أسبوع حتي كشفت وزيرة العدل في حكومة شارون السيدة تسيبي ليفني عن ان البرنامج السياسي لحزب شارون الجديد كاديما يوافق علي مبدأ قيام دولتين للشعبين الاسرائيلي والفلسطيني‏..‏ دولة اسرائيلية للحفاظ علي وجود إسرائيل السياسي كوطن قومي لليهود‏.‏ ودولة فلسطينية في أرض إسرائيل‏(‏ التاريخية‏)!‏ ولتحقيق ذلك يفصل برنامج الحزب بين فكرة أرض إسرائيل الكاملة‏(‏ كل فلسطين‏)‏ وبين قيام دولتين فيها منهما دولة تضمن غالبية يهودية فيها‏(‏ إسرائيل‏),‏ وضمان ذلك يتوجب الموافقة علي قيام دولة فلسطينية في أرض إسرائيل‏!‏

وزادت ليفني ـ بعد يومين قائلة في تصريحات صحفية في اطار الحديث عن استراتيجية اسرائيل للتسوية النهائية ـ أن الهدف الحقيقي من اقامة الجدار العازل ليس الاعتبارات الأمنية كما تردد حكومة شارون بل رسم حدود دولة اسرائيل‏(‏ علي أرض اسرائيل‏)‏ في المستقبل‏(‏ ومن ثم رسم حدود الدولة الفلسطينية كما تراها إسرائيل علي أرض اسرائيل‏)!‏

ويحقق هذا المخطط الإسرائيلي جملة من الامتيازات تتضمن تأسيس شرعية جديدة لدولة إسرائيل لايستند فيها قيامها إلي قرار دولي بل إلي حق تاريخي‏,‏ وتعويض اسرائيل عن افتقاد أسس قانونية لحدودها النهائية‏,‏ وفتح باب التوسع في أي وقت تشاء بضم أراض جديدة اليها‏..‏ ومعروف ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لاينص دستورها علي حدود نهائية للدولة‏.‏

و لعل ذلك يفسر الخطاب الاسرائيلي الأمريكي عن تسوية نهائية للنزاع علي أساس دولتين اسرائيلية‏(‏ يهودية‏)‏ وفلسطينية برغم ان دولة اسرائيل قائمة بالفعل منذ‏1948!‏

كما تفسر هذه المعطيات والأهداف اصرار حكومة شارون علي السيطرة علي الأجواء البحرية والجوية والبرية في قطاع غزة برغم الانسحاب منه في أغسطس الماضي‏,‏ ناهيك عن رفضه المبادرة العربية للسلام‏.‏

كما يحقق المسعي الإسرائيلي‏(‏ وراثه الانتداب البريطاني‏)‏ لاسرائيل ـ من وجهة نظرها ـ المطالبة بالسيطرة علي منطقة الحمة الفلسطينية التي تخضع للسيطرة السورية منذ‏1949‏ ومن ثم اضفاء شرعية علي مطلبها بالسيطرة علي الضفة الشرقية من بحيرة طبرية وهو المطلب الذي كان أحد أسباب فشل المفاوضات علي المسار السوري ـ الاسرائيلي في عملية السلام‏.‏

وهنا تتضح أهمية رفض سوريا في المفاوضات عام‏2000‏ التفاوض مع اسرائيل علي أساس حدود‏1928(‏ اتفاق بريطانيا وفرنسا‏)‏ وتمسكها بحدود الرابع من يونيو‏1967,‏ وهو موقف يصب في مصلحة الجانب الفلسطيني‏.‏

مخاطر المخطط الإسرائيلي ويحيي هذا المخطط من جديد ـ في جانب من مخاطره ـ فكرة صراع الوجود بين الجانبين الاسرائيلي والعربي فقد ظل الصراع العربي الاسرائيلي صراع وجود حتي أصبح بعد عدوان‏1967‏ صراع حدود بقبول مصر ثم الجانب العربي لاحقا قرار مجلس الأمن‏242,‏ وبالاعتراف ضمنيا ورسميا بحق اسرائيل في الوجود قبل أن ينتقل في مؤتمر مدريد للسلام عام‏1991‏ إلي صراع حول أراض متنازع عليها في أول تعديل مؤسف لاسس الصراع من انهاء احتلال اسرائيل للأراضي المحتلة عام‏1967‏ إلي التفاوض حول انسحاب من أراض وترتيبات أمنية تحقق أمن اسرائيل‏.‏

ويشهد الصراع منذ وصول شارون للسلطة في اسرائيل في فبراير‏2001‏ محاولات لتعديل أسس النزاع في فلسطين مماينذر بعواقب وخيمة فلسطينيا واقليميا‏.‏

وتتمثل خطورة هذا المخطط‏(‏ الحق التاريخي أو وراثة فلسطين‏)‏ كما يقول المستشار حسن أحمد عمر خبير القانون الدولي في تجاوز القرار‏181‏ و‏194‏ وحتي‏242‏ و‏338‏ ومصادرة حق الفلسطينيين في اعلان دولتهم المستقلة ليصبح اعلان الدولة منحة اسرائيلية من الدولة الوارثة‏,‏ ومنع اللاجئين من العودة واستلاب القدس الشرقية‏,‏ ومن ثم فان احباط هذا المخطط يتطلب انتباها عربيا وتمسك الجانب الفلسطيني باعلان دولته علي هدي من القرارات الدولية‏,‏ والطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة بوضع الدولة الفلسطينية الوليدة تحت الوصاية الدولية لحين استكمال الاستقلال لتحل قوات دولية محل قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس‏,‏ كما يتطلب أيضا تغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة من أراضي محتلة إلي أراض دولة محتلة‏.‏

ويلفت عمر النظر إلي أهمية الاحتكام إلي وفاق فيينا‏(‏ دستور المعاهدات‏)‏ لابطال سياسات الخداع والتدليس‏,‏ وإلي الفصلين‏11‏ و‏12‏ من ميثاق الأمم المتحدة باعتبار الشعب الفلسطيني صاحب حقوق غيرقابلة للتصرف ومحمية بموجب أحكام الفصلين ولاتلزمه أي معاهدات لم يكن طرفا فيها‏,‏ كما ينبه إلي بعد نظر الجانب السوري في اصراره علي التفاوض وفي اطار عملية السلام حول حدود الرابع من يونيو‏1967‏ وليس حول الحدود بين سوريا وفلسطين تحت الانتداب‏.‏

ويفسر المخطط الاسرائيلي‏(‏ وراثة فلسطين‏)‏ رفضها الحديث عن حدود الرابع من يونيو‏1967,‏ فاذا كانت اسرائيل مستعدة للانسحاب من الجولان من منطقة الحمة احتلتها سوريا عام‏1948‏ وظلت تحت سيطرتها حتي عام‏1967‏ فلماذا ترفض الحديث عن حدود الرابع من يونيو‏1967‏ وتصرعلي الحديث عن الحدود الدولية بين سوريا وفلسطين تحت الانتداب إلا اذا كان الهدف أبعد من بضعة كيلو مترات ومصادر للمياه‏.‏

وتجدر الاشارة في هذا الصدد إلي ان معاهدتي السلام بين اسرائيل ومصر‏1979‏ والأردن‏1994‏ تنصان علي أن الحدود الدولية بين إسرائيل وكل من الطرفين هي الحدود الدولية بين البلدين العربيين وفلسطين تحت الانتداب دون اشارة إلي حدود إسرائيل والأساس القانوني لقيامها‏,‏ كما نصت معاهدة السلام مع مصر علي عدم المساس بحقوق الفلسطينيين في قطاع غزة‏,‏ ومعاهدة السلام مع الأردن‏,(‏ المادة الثالثة‏)‏ علي أنها لاتمس أي أراض‏,‏ وقعت تحت سيطرة الحكم الاسرائيلي عام‏1967,‏ و‏(‏الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية‏).‏

هذه المساعي والأهداف الاسرائيلية تستدعي الاصرار من الجانب العربي علي المسئولية القانونية والتاريخية والأخلاقية لبريطانيا كدولة انتداب علي فلسطين لعدم التهرب من مسئولياتها تجاه مأساة شعب فلسطين‏.‏

كما تستدعي هذه المساعي من الجانب العربي أيضا الانتباه إلي خطورتها والتمسك بالشرعية الدولية وبحدود الرابع من يونيو‏1967,‏ وباعتراف الولايات المتحدة واسرائيل نفسها قانونيا بقيام دولة فلسطينية علي أرض فلسطين كونهما قبلتا في مايو‏1949‏ قرار الجمعية العامة رقم‏237‏ بالموافقة علي قرار مجلس الأمن رقم‏69‏ الصادر في شهر مارس من نفس العام بقبول دولة اسرائيل عضوا في الأمم المتحدة‏,‏ والذي اشترط‏(‏ القرار‏)‏ لقبول اسرائيل عضوا موافقتها علي قرار التقسيم‏181‏ وللقرار‏194‏ ممايعني قبول الطرفين قيام دولة فلسطينية‏,‏ ومايجعل قراراعلان الدولة الفلسطينية قرارا سياسيا توافر له الاساس القانوني‏.‏

وفي حالة ما اذا كانت اسرائيل تصر علي يهودية الدولة فلتكن العودة إلي القرار‏181‏ باعتباره المرجعية القانونية لقيام دولة بهذه الصفة علي أرض فلسطين‏!!