الكفاح العربي/سعاد جروس

«عندما نجرب أن نعالج هذا الخراب الذي يغمرنا من قمة الرؤوس الى أسفل القدم, فنطلب من وسائل الإنقاذ ما لا يحتاج الى كثير من الذكاء ولا خرط في النبوغ, ثم لا يؤبه بعد ذلك لما نقول ولا يسمع لما نصرخ, فلا أقل من أن نعتقد أن بين أيدينا قليلاً من الوسائل غير المستحيلة».

نجيب الريس /جريدة القبس 1934

في برنامج حواري على الفضائية السورية قال المطران ازيدور بطيخة إنه أعجب بالزينة التي علقها الدمشقيون خلال شهر رمضان الماضي في الشوارع وعلى شرفات المنازل, طالباً منهم ألا يخفوها خلال أيام عيدي الميلاد ورأس السنة, داعياً جميع السوريين إلى المشاركة في صناعة الفرح.سيادة المطران كان محقاً في دعوته لصناعة الفرح, فما أحوجنا لهكذا صناعة في الليالي الظلماء التعسة, الحافلة والمرعدة بأخبار الاغتيال الأسود والموت الأحمر والتعتير المشحر, لكن إلى أي حد يمكن للتباهي بالمظاهر وبذخ الزينات أن يصنع الفرح؟ وأي فرح هذا الذي يأتينا من زيادة الضغط على الشبكات الكهربائية المتهرئة ونسيان الأحياء المحرومة من الكهرباء النظامية, ومعها سنوات التقنين أيام كانت سوريا تُشبَّه بشجرة ميلاد دائمة تشتعل في مكان وتنطفئ في آخر. هكذا ننسى أو نتناسى, وبدل الفرح نصنع الفوضى والإسراف, في واقع كيفما قلبناه نجد أنه لا يحتمل أي تكلف في المظاهر المخادعة, فالكل يعرف أن نشر شلالات الأضواء على حبال الغسيل, ليس ابتهاجاً بالمناسبة بقدر ما هو تبجح ومزايدة بين أبناء الحي الواحد والدين الواحد, ليبدو الأقوى إضاءة, الأكثر تحضراً. كما راحت تنتقل عدواها لتسري بين الأحياء المتعددة والأديان المختلفة, كل في مناسباته ليدلل على حضوره الفعال في الشارع والمنطقة. وإذا كان المثل يقول «يريدون جنازة كي يشبعوا لطماً» نقول «نريد مناسبة لنشبع تزييناً وتبجحاً».

كان الأجدى لسيادة المطران ازيدور, ونحن نعلم مدى حرصه على الجدوى, لو أنه دعا الحكومة لتتولى تنظيم زينة الشوارع, إذا كان لا بد منها, أسوة بالبلدان المتقدمة التي تحتفل بمثل هذه المناسبات على طريقتها, وأن يدعو السوريين للاحتفال في بيوتهم وأماكن الاحتفالات, لأن الدين لله والوطن للجميع. رفع الرموز الدينية وتكبير أحجامها لا يدل على حجم وعمق الإيمان, بقدر ما يدلل على الاستعراض والتنفج, إن لم يكن الأسوأ, أي أن تكون تعبيراً فجاً على الارتداد الطائفي, ارتداد نريد اليوم تغليفه بالعلم الوطني لنقول للعالم أجمع إننا موحدون تحت راية سوريا... أمر يثير العجب!! متى عانت سوريا من التنابذ الطائفي حتى ندعو لهذه الدعوات, أم أننا نريد استنساخها مع ما استنسخناه من جارنا الشقيق الصغير من أغانٍ وخيم اعتصام وحملات للأعلام الوطنية!فإذا كان شقيقنا الأصغر يعاني من الطائفية, منذ تكون في رحم الانتداب, ويحتاج بين الفينة والأخرى إلى رفع العلم ليوحد صفوفه ضد وصاية الأخ الأكبر, فما حاجة السوريين لاستنساخ الأسلوب الدعائي ذاته, لتفعيل الهبة الوطنية في وجه ميليس والتهديدات الاميركية؟! الآن؛ مع بداية عام جديد, وبعد أن هدأت قليلاً التهديدات, وأعطيت سوريا مهلة ستة أشهر أخرى لتلتقط أنفاسها, قبل بدء الجولة الثانية, يجدر بنا القيام بمراجعة للحملات الدعائية في الأشهر الماضية, وطمأنة الناس ليهدأ بالهم ويعودوا إلى أعمالهم وأشغالهم المعطلة, بدل التشجيع على مزيد من الانغماس في احتفاليات تؤخر أكثر مما تقدم, وفتح الأزقة والحارات التي عرقلتها حلقات الدبكة والدبيكة, وخنقتها لافتات التحيات وشعارات الذود عن حياض الوطن مصحوبة بمواكب التزمير والتشفيط والصراخ. أن نزيح كل هذا, ونجتمع على حوار هادئ للبحث عن طرق لإنقاذ البلد من الفوضى والتسيب والفساد, ومنع العابثين بالاقتصاد من تجنين الدولار, ومحاسبة المقصرين حيال قضايا المواطنين اليومية, وملاحقة الانتهازيين الذين لم يوفروا أزمة للوطن إلا ونهبوا وسلبوا منها. ولئلا يبقى الكلام عائماً, لا بد من التنبيه إلى جماعة تقوم منذ أكثر من شهر ببيع بطاقات لمهرجان فني قومي, سيقام في آذار €مارس€ المقبل, وسعر البطاقة 200 ليرة سورية. أما طريقة البيع فهي بالإكراه, بزعم أن لدى هذه الجماعة كتاب من وزارة الداخلية يوجب شراء خمس بطاقات على أقل تقدير!! طبعاً دون ذكر لأي جهة سيذهب ريع هذا الابتزاز القومجي. ورغم الشك بصحة أن يتم ذلك بعلم وزارة الداخلية, أو أي جهة حكومية لما في ذلك من إساءة بالغة لسوريا, للأسف مواطنون كثر وقعوا بالفخ واشتروا بطاقات, خوفاً من الداخلية, أو تعاطفاً مع القضية الوطنية, وما يؤسف له أكثر أن الذين انتبهوا إلى الفخ, فضلوا التستر عليه كي لا يساء لسمعة البلد في هذا الظرف الصعب!! وما زال البيع مستمراً!!

عام ينتهي وآخر يبدأ؛ ونحن نخرج من أزمة وندخل في أخرى رافعين الرايات والأعلام الوطنية ومدججين بالرموز الدينية رغم أنف العالم والعلمانية والتعلم, وعلى طنة ورنة؛ لا نفوّت مناسبة وطنية ولا قومية أو دينية, إلا ونصنع فيها الفرح, المبكي في حقيقته, على وقع أزماتنا الداخلية والخارجية, من عيد الكبير إلى الصغير ومن الميلاد إلى رؤوس السنة الميلادية والهجرية والشرقية, ومن الفصح إلى المولد النبوي وصعود السيدة وجميع القديسين, وأعياد الجلاء وتأسيس الحزب العملاق وعيد العشاق الرومانتيكي وعيد العمال الصابرين والكادحين المغبونين دائماً, فلا يبقى نفر في هذا الوطن إلا وله عيد يزغرد فيه زغاريد الفرحان بعزاء جدته, وفي الواقع بعزاء نفسه وعائلته وأهله, وكل عام وانتم بخير ولي لي ليش...

افرح يا قلبي لك نصيب تبلغ مناك... من غير لا حبيب ولا مجيب.