الشرق القطرية/طلعت رميح

لا شك أننا أمام درس كبير في قدرة الآليات الديمقراطية على إحداث تغييرات هائلة على صعيد قرارات استراتيجية كبرى في حياة الأمم، ولا شك أننا بحاجة ماسة إلى فهم آليات اللعبة الديمقراطية بحكم أن اغلب نظمنا العربية بعيدة عن القصة برمتها. ما يجرى في الولايات المتحدة هو تفعيل لآليات تسمح بها الديمقراطية، لإحداث تغيير سياسي كبير في الولايات المتحدة لاشك انه سيحكم سياستها على الصعيدين الداخلى والخارجى لمرحلة طويلة قادمة من السنين القادمة. نحن الآن أمام نجاحات مذهلة لاستراتيجية الخنق التى قادتها وتقودها أطراف عديدة داخل الولايات المتحدة -وربما خارجها أيضا -ضد إدارة الرئيس بوش.يمكن القول بان المقاومة العراقية هى صاحبة الفضل في حدوث ما يجرى وأنها إن لم تشتعل بهذه القوة والصمود والتواصل لما جرى ما يجرى الآن، غير أن ما نشهده اليوم من مصارعة حرة بين فرقاء التأثير في القرار الأمريكى لم يكن لتتوافر له فرصة أن يجرى بفعل ضغط المقاومة لولا النمط الديمقراطي -أيا كانت التحفظات على الديمقراطية الداخلية الأمريكية وبعضها خطير للغاية-الذى يسمح بقدر من حرية الحركة داخل النخب المسيطرة في المجتمع ويسمح بقدر من تغيير الاتجاه والى درجة كبيرة رغم القدرات والصلاحيات التى يتمتع بها الرئيس الأمريكى في هذا النموذج الرئاسى للحكم.

واستراتيجية الخنق التى اتبعت من قبل النخب الأمريكية المعارضة لنهج ورؤية الرئيس بوش حول ما الذى يحقق ويخدم المصالح الأمريكية بشكل أفضل، قامت بالدقة على استثمار خطأ جوهرى وقع فيه الرئيس بوش وإدارته حيث وهو يقود بلدا تقوم فلسفة الحكم والمواطنة فيه على حالة موغلة من البراجماتية، فقد حاول حكم أو نقل هذا المجتمع وفق حالة عقائدية إلى الصراع في الداخل ومع خصوم الخارج على أسس أيديولوجية أو عقائدية. وهى قامت على إفقاد بوش مصادر قوته بتواتر متصاعد حتى أصبح في حالة دفاعية يتوقع معها أن تتصاعد التحركات لينتهى وجود الرئيس الأمريكى في البيت الأبيض، حيث هو بات يفقد مشروعيته التى استمدها من الدعاية الأيديولوجية بعد كثرة من الأخطاء العملية التى جعلته يعود مرة أخرى إلى لغة البراجماتية والمصلحة وهنا أصبح في حالة دفاعية، وأصبح معارضوه في حالة هجومية ربما تصل به إلى ما وصل إليه الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون.

في خطابه الأخير إلى الأمة الأمريكية بدا الرئيس الأمريكى على نحو آخر غير الذى ظهر به وعليه من قبل على مر وجوده في البيت الأبيض.كانت الصورة التى ارتسمت في الأذهان للرئيس بوش قد تشكلت له وهو يصدر في كل يوم تصريحا ضد العراق وصدام حسين ثم وهو يعلن النصر في الحرب على العراق كمن فوق بارجة حربية وما بدا عليه وقتها من لغة التحدى والزهو كصاحب رؤية أيديولوجية انتصر في الحرب وليس مجرد رئيس خاض حربا وانتصر. وعلى خلاف تلك الصورة التى غالبا ما كان يظهر بها في مؤتمراته الصحفية رئيسا حاسما قويا منتصرا أو مصمما على أفكاره وأقواله، ظهر الرئيس بوش في خطابه المتلفز الأخير، وكأنه في حالة شاملة من «الاعتراف» بالأخطاء الواحد تلو الآخر، حتى بات ملخص ما قاله انه يحذر -ويدافع- عن خطر عدم تقدير نتائج التراجع غير المنظم عن الخطأ الذى ارتكبه هو، حيث النتائج ستكون كارثية. في ذلك الخطاب اعترف الرئيس الأمريكى بمسئوليته عن قرار الحرب رابطا الاعتراف بخطأ الكثير من معلومات المخابرات التى استند إليها في القرار حول أسلحة الدمار الشامل، كما أنه نوه إلى انه لا يتوقع من الأمريكيين أن يؤيدوا كل أفعاله وهو الذى كان يدعو الأمريكيين إلى العكس، وهو بات يشدد على أن الأسوأ لم ينته بعد في العراق. وهو إذ حاول تصوير نفسه بصورة القادر رغم كل الأخطاء والمآسي على تحقيق النصر. فقد وجه انتقادات حادة إلى خصومة وصف الذين يطالبون بسحب القوات الأمريكية من العراق بأنهم أصحاب روح انهزامية وأنهم يستسلمون لليأس، بما اظهر أنهم باتوا أكثر قوة وتأثيرا على قرارات إدارته. لكن الأهم في لغة خطاب الرئيس بوش هو انه لم يعد يتحدث إلى الأمريكيين بلغة عقائدية أو أيديولوجية عن مبررات الحرب بل بلغة مصلحية دفاعية وانه وصل إلى درجة من الضعف جعلته يستجدى من الانتخابات العراقية عونا في مواجهة الرافضين لسياسته في العراق بان شيئا ما يتحقق.

علامات ضعف الرئيس بوش كانت عديدة في هذا الخطاب لعل أهمها انه بات يتحدث بلغة الخطاب الاعلامى أو انه عاد ليفتش في أسلحته أو دفاتره القديمة، حيث عاد إلى حكاية المقابر الجماعية، كما هو عاد ليلتف حول أكذوبة أسلحة الدمار الشامل حين أشار إلى أن العراق كان لديه قدرة على إعادة إحياء برامج لأسلحة الدمار الشامل وان صدام كان له تاريخ في السعى لامتلاك واستخدام أسلحة الدمار الشامل.

وفي تحليل الخطاب فإن الخلاصة لما قاله بوش، هي انه وضع نفسه على المحك الكامل وانه خير الأمريكيين بين البقاء في العراق أو التعرض لكوارث، وانه فتح الباب على نفسه باعتبار انه المسؤول عن كل ما جرى، حيث المتوقع أن توجه الحملات المضادة للحرب من بعد له شخصيا لا لأجهزة المخابرات ولا لرامسفيلد ولا لتشينى، خاصة انه هاجم منتقديه والصق بهم صفة الاتهام بالضعف والانهزامية وإنهم لن يجبروه على تلطيخ شرف الولايات المتحدة بالانسحاب.

والمتابع للظروف والأجواء التى ألقى فيها الرئيس بوش خطابة الأخير في سلسلة الخطابات الموجهة للشعب الأمريكى، يصاب بالحيرة في تحديد اى من الأسباب تحديدا هو ما جعل الرئيس بوش يظهر بهذه الصورة الضعيفة والمطالبة للآخرين بالحذر من إصلاح أخطائه هو بخطأ الانسحاب المبكر، حيث العوامل كثر. فهناك الخسائر التى تصاعدت في العراق إلى درجة باتت تؤثر بدرجة كبيرة على اى مصداقية لكل حديث حول تحقيق النصر في العراق، وهناك تدنى شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوى لها منذ بداية وصوله إلى البيت الأبيض، وهناك القضية التى انفجرت في وجه الإدارة الأمريكية حول التنصت على المواطنين الأمريكيين والتى جعلت أعضاء من الحزبين يطالبون بإجراء تحقيق فورى لا شك أن الرئيس لن ينجو منه وهناك الضغط الدولى الأوروبى بشأن المعتقلات في الخارج وهناك الحالة المتصاعدة في الضعف الأمريكى في العالم وآخرها انتخاب رئيس جديد في بوليفيا اشد قسوة في مواجهته للرئيس بوش من هوجو شافيز بما سيفتح نارا أخرى من أمريكا اللاتينية.

البادي من التطورات على الساحة الأمريكية أن الوضع جد خطير وان الرئيس بوش بات يشعر باحتمالات حدوث تطورات أخطر لعل مؤشرها أن نائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى قطع رحلته إلى الشرق الأوسط وقفل عائدا إلى الولايات المتحدة.

فما الذى يجرى هناك وهل نشهد تطورات درامية في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالرئيس بوش وإدارته؟

الحشد الأيديولوجي المحتضر

كانت نقطة تميز الرئيس بوش والتي على أساسها وصل إلى البيت الأبيض هي لغة الخطاب العقائدى والأيديولوجى التى حاول من خلالها الظهور بمظهر الرجل القادر والقوى الذى سيقود أمريكا إلى حالة دولية قوية جديدة بديلا لما كانت بدأت في الظهور عليه من مظهر الضعيف، بعد الضربتين اللتين وجهتا لسفارتيها في أفريقيا وإثر عدم قدرة الولايات المتحدة على فرض النمط الجديد من العقوبات على العراق -العقوبات الذكية -وبعدما بدا العراق يستعيد وضعه العربى والدولى بشكل تدريجى ويعقد صفقات اقتصادية وسياسية مع روسيا وأوربا والصين وبعدما تصاعدت المخاوف من النمو المتسارع في مصادر القوة الأوروبية على حساب القوة الأمريكية وفي ضوء التنامى في قدرات الصين على صعيد شامل.

كانت نقطة بوش الأقوى تتمثل في مغازلة مشاعر مواطنيه بمنطق اللغة العقائدية والأيديولوجية التى شهدتها أمريكا خلال المكارثية وخلال الصراع الايديولوجى مع الاتحاد السوفييتي السابق وفق رؤية المسيحيين المتصهينين. وكان من الطبيعى أن تتمكن تلك اللغة من إحداث عملية حشد وتعبئة خلف توجهات هؤلاء المحافظين الجدد في البداية، لكن الخطأ الاستراتيجي الذى وقع فيه هؤلاء هو أنهم لم يدركوا حجم التغيير الذى دخل على العالم وعلى الوضع الداخلى بما يمنع استمرار تلك الحالة من الهوس الايديولوجي للمواطنين الأمريكان، لفترة طويلة من الوقت. لقد ارتكن بوش ومن معه إلى تجربة نجاح الهوس العقائدى في الصراع خلال الحرب الباردة دون أن يدركوا أن هذا النجاح كان عائدا إلى وجود عدو كبير ضخم مدجج بالأسلحة النووية في حجم الاتحاد السوفييتي بما جعل الأمر لا يحتاج إلى دعاية ضخمة لكى يدرك الأمريكى انه مهدد بالأسلحة النووية، وان هذا الحجم من الخطر قد زال وأصبح الخطر المقابل الذى يجرى الحشد والتعبئة ضده- أي القاعدة وبن لادن -هو خطر رمزى لا يمكن البناء والحشد عليه لفترة طويلة. ومن ناحية أخرى فان مدبرى حالة الحشد الايديولوجى في إدارة بوش لم يدركوا اثر التساند الأوروبى في نجاح خطة الحشد في داخل أمريكا حيث كان الأمريكى يجد نفسه متساندا في مواجهة الخطر بنظيره الغربى في أوروبا بما كان يجعله مصدقا دون عناء لضرورات المواجهة من التخلى عن بعض الحريات ومن الشعور بالقلق والخوف، لكن هذا الأمر قد تحول إلى الضد بفعل الموقف الفرنسى والامريكى والبلجيكى إلخ، حيث الرفض الأوروبى قد أزال وبسرعة الغشاوة التى كانت دعاية بوش والمحافظين الجدد قد نجحت في وضعها على أعين المواطن الأمريكى. ومن ناحية ثالثة فإن مدبرى حملة الحشد الايديولوجى لم يدركوا أن الانغلاق في داخل المجتمعات الذى كان احد مقومات نجاح الحشد العقائدى والأيديولوجى خلال المرحلة السابقة قد زال فيما بعد العولمة التى كان المصنع لها هو المجتمع الأمريكى فارتدت إليه أيضا، إذ لم يعد المجتمع الأمريكى هو المجتمع الأمريكى نفسه الذى كان خلال الحرب الباردة بل هو بات بحكم الضرورات مجتمعا مفتوحا على الآخرين وهو ما جعل المجتمع اقل قدرة في الولوج إلى حالة من الانغلاق العقائدي.

لقد كانت الأرض مهيأة لكي يفيق المجتمع الأمريكي بشكل أسرع وبصورة أكثر فعالية مما حدث خلال مرحلة الحرب الباردة.وهنا تحديدا كانت خطة الخنق التدريجى من خلال الإمساك العملى بأخطاء بوش وإدارته والمحافظين الجدد و«جرجرتهم» إلى ارض الوقائع، هى الخطة الأفضل للنخب الأمريكية المعارضة لهذا النهج في الحشد والتعبئة الأيديولوجية.

استراتيجية الخنق!

قامت استراتيجية الخنق من قبل الديمقراطيين وقوى أخرى في الولايات المتحدة على كسب المعركة بالتفاصيل. وكان اشتعال المقاومة العراقية وصمودها واستمرارها وبطولتها هو ما هيا تفعيل كل العوامل الأخرى، وكانت آلية الديمقراطية من حرية النشر والتعبير هى الطريقة التى سمحت «بجرجرة» فريق بوش إلى ارض الواقع وإنهاء الصفة الأيديولوجية لمنطقهم. ومن ينظر الآن إلى القضايا التى تواجهها الإدارة الأمريكية في الداخل والخارج يدرك معنى استراتيجية الخنق التدريجى. فإدارة بوش باتت تواجه نزيفا متصاعدا وبشكل تدريجى على صعيد الرأى العام الأمريكى بما يعنى أن الغشاوة التى سببتها الشعارات الأيديولوجية قد زالت حتى عن «الكتلة الصلبة» التى كانت تشكلت وفق رؤية أيديولوجية خلف بوش وإدارته. وعلى صعيد البيت الأبيض فقد وجهت ضربة قوية مباغتة للإدارة الأمريكية من خلال فضيحة الكشف عن عميلة المخابرات الأمريكية نكاية في زوجها الذى كشف فضيحة فبركة دليل مزيف ضد العراق في النيجر فيما عرف بفضيحة اليورانيوم في النيجر وهى ضربة ذهب فيها احد كبار رجال الإعلام في الإدارة إلى المحاكمة وبات بسببها نائب الرئيس تحت سيف الاتهام والمحاكمة. كما جرى تفجير قضايا الفساد المالى لشركة هاليبرتون في العراق ومن قبل في الولايات المتحدة، وهى فضيحة لم تطل فقط نائب الرئيس وإنما الأخطر إنها فتحت الطريق أمام الشركات الأمريكية الأخرى للنيل من الشركة ومن الإدارة دفاعا عن مصالحها. وفي الكونجرس جرت عملية مباغتة متواصلة جرى فتح ملف الانسحاب من العراق بما مثل ضغطا يوميا ونزيفا يوميا لقرار العدوان على العراق وبما ضاعف من ضغط الرأى العام على الإدارة باتجاه عزل قطاعات جديدة من الرأى العام عن الحالة الأيديولوجية وعن تأييد مواقف الرئيس بوش وإدارته. ومنذ أيام وجهت ضربات داخلية خطيرة إلى هذه الإدارة، أولاها حين كشفت فضيحة التنصت على المواطنين الأمريكيين المعارضين لمواقف الإدارة بما مثل انتهاكا خطيرا لحرية المواطنين الأمريكيين وهو لا شك أمر يحسب له بوش نفسه ألف حساب حيث كان الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون قد اجبر على الاستقالة ومغادرة البيت الأبيض في فضيحة مماثلة «ووتر جيت» كما أنه بات يدرك أن آليات الخنق باتت تتوجه نحوه في الفترة الأخيرة بشكل مباشر بعد أن كانت تتركز على رامسفيلد وديك تشينى وحدهما،كما تتجه الأوضاع إلى رفض متصاعد لبنود في قانون مكافحة الإرهاب. وهكذا إلى أن عادت الولايات المتحدة إلى زمن الاضطرابات العمالية حيث قام عمال المواصلات العامة بالإضراب عن العمل.

قامت خطة الخنق بإعادة الإدارة إلى الأرض الواقعية من سماء الايديولوجيا وصارت في كل يوم تكشف فضيحة أو تأخذ من شعبية الإدارة بما جعل الرئيس الأمريكى يعود مؤخرا إلى الأرض أو إلى حالة الواقعية السياسية وخطابات الاعتراف بالأخطاء وتحميل نفسه كل الأخطاء. وهو إذ فعل فإنما يعنى الأمر انه خضع لاستراتيجية خصومه وبات على ارض ملعبهم ليبدأ تلقى مزيد من الضربات التى يبدو إنها ستكون خلال المرحلة القادمة اشد خطورة وشدة وتأثيرا وموجهة له شخصيا بعد أن رمى بنفسه لإنقاذ الآخرين بما جعلها معركة نهائية فاصلة.

الحرب في الداخل

حينما اشتعلت المقاومة العراقية وحتى نهاية الولاية الأولى لبوش كانت المعركة في الداخل الأمريكى وسط النخب المؤثرة حول قرار الحرب في العراق. وبعد أن أصبح الانسحاب قرارا يختلف فقط حول توقيته وآلية تنفيذه تصاعدت المعركة الداخلية حول قضايا الحريات، بما يشير إلى أن الإدارة باتت محاصرة بقضايا متفجرة في الخارج والداخل كل منها كافية لإطاحة الإدارة.

وفي ضوء استمرار المقاومة العراقية والتعقد الهائل الذى تعانيه نتائج الانتخابات العراقية والمطالبة المتصاعدة بإعادة إجرائها تحت إشراف دولى وفي ظل حكومة إنقاذ وطنى، وكذا في ضوء تلاحق القضايا الداخلية المتفجرة، يمكن القول بان استراتيجية المعارضين والرافضين لبوش قد حققت تقدما كبيرا وحاسما. وهذا هو جوهر السبب فيما بدا عليه الرئيس