الشرق الأوسط / عادل درويش

مظاهرات سيدني «العنصرية»، وعنف المتظاهرين في فرنسا، وتفجيرات لندن، وتفجيرات مدريد، واغتيال مخرج سينمائي في هولندا، كل هذه الامور بينها عامل مشترك: الهوة العميقة بين المجتمع المضيف، وبين المهاجرين. جذبت المجتمعات المتقدمة المهاجرين، غالبا من بلدان نامية (تعبير مهذب لكونها متخلفة) وأنظمة ديكتاتورية. ينعزل المهاجرون في«الحارة» الثقافية Cultural Ghetto. ومنذ احداث 11 سبتمبر شاركت الحكومات الديموقراطية الغربية، وصناع الرأي العام من دعاة التصحيح السياسي Political Correctness، والتعددية الثقافية Multiculturalism ، في توفير المناخ الذي يقوي تيار الانعزالية الثقافية بين المهاجرين، خشية اتهامات بـ«العنصرية»، او بـ«معاداة الاسلام».

تخلت وزارة الداخلية البريطانية هذا الاسبوع عن «اختبار تفهم الحياة البريطانية» كشرط لمنح أئمة اجانب، حق الاقامة. وكان المسلمون البريطانيون طالبوا بهذا الشرط للتأكد من تفهم الأئمة للمجتمع الذي يعيش فيه الأبناء والبنات الذين سيتأثرون بتوجيهات هؤلاء الأئمة، ولا يجدون أي تناقض بين وضعهم كـ«رعايا لجلالة الملكة»، وبين ايمانهم بالاسلام. فعلت السلطات البريطانية ذلك فجأة، ودون استشارة العقلاء. وقد تنازلت حكومة بلير عن هذا الشرط بضغوط نقاد اليسار. لكن يجب أن يعي هؤلاء ان التسامح الديني لا يعني تجاهل عبث مختطفي الدعوة الاسلامية لأغراضهم المنحرفة، بأدمغة ابناء المهاجرين، اضافة لمسلسل جرائم أخرى. مرتكبو الجرائم الارهابية لم يسرقوا جوهر الاسلام فحسب، بل سرقوا اسم الرمز الاعظم لدى المسلمين: «محمد».

فقائد ارهابيي 11 سبتمبر؟ هو «محمد» عطا. والارهابي الذي اطلق الرصاص على الناس في مطار لوس انجليس هو هشام «محمد» هدايات. ومدبر انفجار بالي هو نور الدين «محمد». وقاتل المخرج الهولندي غوخ هو «محمد» بوعيري.

وجندي المارينز السابق الذي اطلق الرصاص على زبائن محطات البنزين قرب واشنطن هو جون آلان «محمد».

لكن خوف المسؤولين في مجتمعات الهجرة، والمعلقين اليساريين من تهمة معاداة الاسلام، يعميهم عن رؤية الفعل، والتركيز على «رد الفعل»، كتركيزهم على «البيض العنصريين» في استراليا؛ او«البوليس العنصري» في حالة فرنسا. أما تجاهلهم الفعل الأصلي، فيلهينا عن تناول التيار الايديولوجي المتأسلم، ومعالجة المناخ الذي أفرز الفعل نفسه، سواء تزييف مفهوم الجهاد لدى الشباب، او منعهم من الاندماج في المجتمع الذي اختاره آباؤهم طواعية، واستنفدوا الحيل للهجرة اليه.

كم من المتابعين لأحداث سيدني سمع باسم «محمد» سقاف؟

حكمت محكمة في سيدني بحبسه لمدة 55 عاما، (خفضت عند الاستئناف) لتزعمه عام 2002 عصابة من شباب المسلمين الاستراليين اللبنانيين، للاغتصاب الجماعي للنساء «الكافرات». يتربص افراد العصابة «المؤمنون»، بالضحية، ويهنئونها، قبل الاعتداء الهمجي، بأنها «محظوظة» لأنها ستتلقى «...» (لفظة قبيحة لا يسمح ميثاقنا الصحفي بنشرها) جيدة، لأنها «خنزيرة» أسترالية.

الجريمة صدمت الرأي العام (وأدانها زعماء الجالية اللبنانية والمسلمين قائلين إن المجرمين أقلية ضئيلة). ووصف معلقو اليسار الحكم بأنه «مثير للجدل». وطالبوا بعدم الخلط بين العدالة، رغم بشاعة الجريمة، وبين الرغبة في الانتقام!

من أين جاءت هذه الكراهية العنصرية ؟! تساءل اليساريون، ناصحين: يجب أن نسأل أنفسنا كأستراليين بيض ما هو دورنا وما قمنا به لخلق هذا الوضع وإفراز هذه الكراهية؟! و: ربما حان الوقت لنفحص، وبعمق، العنصرية الممارسة عن طريق عزل المجتمعات، وهو الانتقام الذي يمارسه مجتمعنا ومؤسساتنا الثقافية... (مثلما كتب المعلق مونرو ريميرز في صحيفة «سيدني مورننج هيرالد»).

لا شك أن العزل الثقافي هو ممارسة عنصرية، لكن الكاتب وقع في فخ توجيه اللوم للضحية بدلا من المعتدي، وهو جزء من تيار سائد بين مثقفي الغرب «ندما» على عهد الاستعمار الذي انتهى قبل مولدهم بسنوات. كتوجيه اللوم لأفندي محترم «استحق» نشل محفظته لأنه أخرج منها حزمة نقود أمام السارق، أو لوم فتاة تعرضت للاغتصاب لأن ملابسها ليست محتشمة!

وهنا أذكر الحلقة المخزية لبرنامج «أي سؤال» في الـ«بي بي سي»، يوم 13 سبتمبر 2001، والتي اجد نفسي اعتذر لكل امريكي أصادفه مؤكدا له أن المشتركين لم يمثلوا اغلبية البريطانيين، الذين لجأوا لفلسفة «استفزاز المتبرجة لمشاعر من يغتصبها» في تبرير الهجوم، مما أسال دموع الصحافي الأمريكي الوحيد المشترك في البرنامج.

الكاتبة اليسارية الهندية الأصل، ياسمين علي باهي براون، قادت جوقة لوم الضحية: «اقول لأمريكا، مرحبا بدخول العالم الواقعي»؛ ويجب أن «تسأل امريكا نفسها ماذا ارتكبت لتستفز من قاموا بهذا العمل»؟!

وبين ضيوف الحلقة شابة فلسطينة/لبنانية في مطلع العشرينات، بأحدث ازياء Designers ومثقلة بالمجوهرات، هاجمت بعنف أحد المشتركين لدفاعه عن «الشيطان الأكبر»، لأنه ارتدى كرافت رسم عليها تمثال الحرية، يوم كان رجال المطافئ في نيويورك لا يزالون يقاومون النار ويذرفون الدمع على عشرات من زملائهم الذين احترقوا بعدوان «محمد» عطا، ورفاقه، على نيويورك وواشنطن. ورغم خلو لهجة «المدموزيل» المتمسكة بعروبتها الاسلامية من أي لكنة اجنبية، حيث تحدثت بانجليزية صافية مائة بالمائة، الا انها كررت عبارة «نحن» (كمسلمين) و«انتم» (كبريطانيين). وبعدها بأربع سنوات، سمعنا انجليزي المولد يتحدث بلهجة مقاطعة يوركشير 100% على شريط ماركة القاعدة، يبرر جريمته ضد مواطنيه في قطار الانفاق في لندن بكلمتي «نحن» و«انتم».

على كل حال ربما كان هؤلاء اقلية، كما ربما تكون عصابة المغتصبين في سيدني «اقلية» لا تمثل اللبنانيين المهاجرين، لكن سلوك مثل هذه العصابة الاسترالية يعكس انعزالية جيتو ثقافي. فرغم انهم من مواليد استراليا، ولا يحملون سوى جنسيتها فإنهم استهدفوا «خنزيرة» استرالية، لأنها تنتمي «لهم» وليس لـ« نحن».

وفي تحقيق لصحيفة (استراليان) يوم الاثنين الماضي، عن «إيدي» وزوجته «سميرة» اللذين هاجرا لسيدني عام 1972، ومنعا اولادهما الخمسة من الذهاب للشاطئ، تحدثت سميرة للصحيفة باللغة العربية، عبر مترجم! هاجرت وزوجها لأستراليا طواعية، وبعد 33 عاما لا تزال سميرة تحتاج لمترجم لنقل عبارات بسيطة عن منع الأولاد من الذهاب للشاطيء.

من المسؤول عن العزلة الثقافية هنا؟

لكن، وفي مقابل هذا النموذج: ماذا عن نماذج نجاح اللبنانيين (اغلبهم مسيحيون) في مجتمعات الهجرة؟ في أستراليا: حاكمة ولاية نيو ساوث ويلز هي اللبنانية ماري بشير وزوجها السير نيقولاس شهادي؛ ورئيس وزراء ولاية فيكتوريا ستيفين براقس. وفي أمريكا: كبير موظفي البيت الابيض السابق جون سنونو، لبناني الأصل، تنافس في الانتخابات في ولاية نيوهامبشير ضد لبنانية الاصل مرشحة الحزب الديموقراطي جين شاهين.

إن الناجحين من المهاجرين الشرق اوسطيين هم المندمجون في المجتمع المضيف، وهم من المسيحيين اللبنانيين، بينما تعرقل ضغوط التطرف المسلمين من نجاح مماثل. ولذا فتساهل حكومات الغرب مع التيار المتطرف، الذي اختطف الإسلام، بحجة التسامح الديني، والسماح له بتعميق انعزالية المهاجرين المسلمين لا يضر فقط بمسلمي الغرب، بل هو قنبلة موقوتة لن تفرق شظاياها بين لون وعرق وديانة.