السفير/جوزف سماحة

تحاول الإدارة الأميركية تطويق نتائج الانتخابات العراقية واستباق نتائج الانتخابات الفلسطينية. قد لا يكون ذلك متلائماً مع <<الزعم الديموقراطي>> إلا أن المسؤولية عن تفسير التناقض تقع على عاتق الدعاة والمروّجين لا على عاتق المراقبين المحايدين والمتشككين.

تبدو واشنطن عاتبة على الشعب العراقي لأنها، إذ أعطته فرصة الاختبار، لم يختر من دلته عليه بصفته الأفضل. نضع جانباً، هنا، <<الذوبان>> الذي تعرّض إليه أحمد الجلبي ومَن تعاون معه، فالرهان الأميركي كان معقوداً على اختراق جدي يحققه أياد علاوي في المحافظات الجنوبية تحديداً. لم يحصل الاختراق. وكانت الانتخابات نوعاً من التعداد السكاني الذي أظهر الأحجام المتفاوتة في التركيبة العراقية. ومع أنه يمكن إبداء الأسف على الميول النابذة التي أظهرتها النتائج فإن ما حصل كان مقدراً وكان مكتوباً في المتن العراقي وفي ما سعى الاحتلال إلى تظهيره خلال الفترة الماضية. الاحتجاج الأميركي ليس على ذهاب الصوت الشيعي نحو اللائحة الشيعية. الاحتجاج هو على أن الاكتشاف الأميركي المتأخر للنزاع على توجهات هذه اللائحة لم يتحول بسرعة إلى اكتشاف شيعي. وهكذا لم يكد المسؤولون الأميركيون يحتفلون بالانتخابات وكثافة المشاركة فيها حتى كانت النتائج موضع طعن.

وللطعن في النتائج أسلوبان. الأول هو في التركيز على التزوير الذي حصل، أو يقال إنه حصل بشكل كبير. وإذا كانت التهمة موجهة إلى الحكومة وإلى المفوضية العليا فهي تطال، بنسبة أكبر، <<المراقبين الدوليين>> الذين هم، بالمناسبة، حوالى 150 ألف جندي أميركي! أما الثاني فهو الضغط الذي يمارسه السفير زلماي خليل زاد من أجل ألا تعكس الحكومة الجديدة نتائج الانتخابات. يريد الرجل حكومة كان الاحتلال يرفضها سابقاً، ولا يتردد في الدعوة إلى التصرف اليوم وغداً وكأن الانتخابات لم تحصل بالأمس. ليس سراً أن الإدارة الأميركية، وغيرها، تجهد في وضع قوالب مسبقة تصب فيها الانتخابات الفلسطينية... إذا حصلت في موعدها. لقد جرت محاولات لإبعاد قوى عن المشاركة. وقيل، مثلاً، إنه لا يسع <<حماس>> أن تنافس إلا إذا تخلت عن السلاح واعترفت بإسرائيل أي إلا إذا نافست على برنامج غير برنامجها. ولقد هدد مسؤولون أميركيون، ولحقت بهم الهيئات التشريعية، بأنه سيكون على الفلسطينيين تحمّل تبعات اختيارهم. فالانتخابات هي، بهذا المعنى، فرصة ممنوحة لهم من أجل ممارسة ديموقراطية تجعلهم مؤهلين لتلقي المساعدات وتمنعهم من التأكيد على أن المساعدة الأبرز التي يريدونها هي تلك التي تخلصهم من الاحتلال.

وسيبقى تصريح سولانا في هذا المجال مضرباً للأمثال. فالمندوب الأوروبي اشترط للاستمرار في دعم السلطة الفلسطينية أن تفرز صناديق الاقتراع هيئات قيادية تكون الأكثر انصياعاً إلى ما سوف تفرزه، لاحقاً، صناديق الاقتراع الإسرائيلية! ولم يهتم سولانا إطلاقاً بآثار تصريحه. لقد قال لنا بالفم الملآن إنه ينظر إلى أي مساعدة أوروبية إلى الفلسطينيين بصفتها تحضيراً لهم للاهتمام بزيادة الأمن الإسرائيلي.

إن هذا الكلام جدير بأسوأ الخطابات التي تساوي، في علاقتها مع الآخر، بين المركزية الذاتية والعنصرية. كاد سولانا يقول إن كل دولار أو يورو تدفعه أوروبا إلى الفلسطينيين مقتطع من التعويضات التي جرى ويجري تقديمها إلى إسرائيل تعويضاً لليهود عما فعله الأوروبيون بهم في الحرب العالمية الثانية.

وليس غريباً أن يؤدي هذا الكلام الاستفزازي والاستعلائي إلى إشاعة المناخ الذي يوفر قابلية لتصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. لقد ارتكب الأخير خطيئة إنكار المحرقة وطالب الأوروبيين بإيجاد مكان لإسرائيل بين النمسا وألمانيا. إن القيمة الوحيدة لهذه التصريحات، من الزاوية التي نتناولها هنا، هي أنها صادرة عن رئيس... منتخب. ولقد كان لافتاً أن كلام أحمدي نجاد وجد صدى له لدى قيادة الإخوان المسلمين في مصر وأن ذلك حصل بعد أن حقق هؤلاء نصراً كبيراً في... الانتخابات.

ربما كان علينا أن نعتذر من الأميركيين على خذلان مرشحيهم أو المرشحين الأقرب إليهم في إيران ومصر والعراق وغداً في فلسطين. وربما كان علينا أن نعدهم بالاصطفاف وراء فريد الغادري في سوريا. وربما وجدنا من يقبل هذا الاقتراح إذا أرفق بمقايضة من نوع اعتذار الأميركيين على خذلانهم لنا، وللعالم، بتجديد انتخاب جورج بوش لولاية ثانية.

نعترف بأن المناخ الذي أشاعته الولايات المتحدة ساهم جزئياً في وضع الانتخابات على جدول الأعمال. ولكن هناك من حذرهم مسبقاً وقال لهم إنه إذا ترسخت الديموقراطية في هذه المنطقة فإن ذلك سيجعل سياستهم فيها أقل تقبلاً وأكثر قابلية للهزيمة. وسوف تهزم.