نزار سلّوم

إن ملاحظة خط سير عمليات القتل التي وقعت في لبنان، في أقلّ من عام، تحيل دون تردد إلى اعتماد مصطلح «القتل المنهجي» في وصف هذه العمليات ومحاولة تعريفها وتحديد مآلها الأخير. ذلك لأن ثمة «منهجاً» مقرّاً مسبقاً يحكم عمليات «القتل ـ الاغتيالات» التي حصلت، لتأتي في سياق «خطة» لها «غاية وأهداف»، وهذه «الغاية» نفسها تستوجب وقوع عمليات «الاغتيالات» على النحو الذي وقعت وتم تنفيذها. ويستكمل «القتل المنهجي» معناه النهائي باختيار «الضحية المثالية» التي تمتلك المواصفات القادرة على إنجاز الغاية من اختيارها «ضحية».

ومن هذه النقطة تماماً يمكن اكتشاف أن «الضحية» التي يتم اختيارها، ليست بالضرورة «عدواً» يقف عائقاً في وجه «الخطة المقررة»، بل يمكن أن تكون «صديقاً» مقرّباً، ومقرّباً جداً أحياناً، يؤدي «قتلها» إلى انهيار «جملة من المعوقات» ما كان لها أن تنهار وفق آلية الصراع الكلاسيكي بين طرفين معلنين واضحين متعادين في موقعين متقابلين.

وإذا كانت عمليات الاغتيالات السياسية التي تقع في لبنان، الآن، تنتمي إلى حقل «القتل المنهجي» فلا بدَّ أن المُخطط والمُدبر والمُنفذ لهذه العمليات هو «قاتل متسلسل» وفق مصطلح مدرج في قاموس «علم الجناية»، ويتم استعارته في أحيان كثيرة إلى حقل «علم النفس الاجتماعي»، ولكنه في لبنان ينضوي في حقل «علم الستراتيجيات الكبرى» الدولية ومقتضيات تنفيذها باعتماد «القتل المنهجي» كأنجع وسيلة وأقل «تكلفة» يمكن دفعها في سبيل تحقيق أهداف هذه الستراتيجيات؟

و«القاتل المتسلسل»، الذي يمكن مقاربة مواصفاته بملاحظة سلوك (نموذجه) في الأعمال الدرامية «السينمائية» تحديداً، الغربية خصوصاً، و«الأميركية» على نحو أخص، و«الإسرائيلية» بحصر المعنى، قاتل محترف، يتمتع بأعصاب باردة في تهيئة عناصر «الجريمة»، كما في اختيار «الضحية» دون أن تردعه «عاطفة» أو «علاقة مع الضحية ذاتها» أو «قرب» منها أو «صداقة» معها، ذلك لأن الاحتراف يُنتج «عقلاً ميكانيكياً» مجرداً يتعامل مع «أرقام وأعداد» بلا روح، وبالطبع ليس لهذا «العقل» أي شريان يصله بـ«قلب» نابض، بل إن شرايينه كلّها ومغذّياته تتصل على نحو حصري مع «غرفة عمليات سوداء» مسكونة بذلك «الجنون الستراتيجي» الذي يختص بإنتاج «النهايات ـ The Ends» حيث يجب إسدال الستارة! ويستكمل هذا القاتل معنى كونه «متسلسلاً» من قدرته على إنجاز عملياته في مناخ من الاطمئنان الذي يضمن له «الاستمرار» دون توقف ودون أن يترك أي أثر «جنائي» يستدل منه على الجريمة، ولا يترك في الواقع إلاّ الأثر الذي يشير بوضوح إلى معنى الجريمة وخط سيرها ووجهة استثمارها.

بلى، في لبنان «قتل منهجي» قوامه «اغتيالات» لـ «ضحايا مثالية» تمتلك من «المواصفات» ما يجعل من «استثمار» قتلها كفيلاً بالوصول إلى «الأهداف» و«الغاية» الأخيرة.

من «مروان حمادة» الذي خرج حياً ـ إلى الشهداء: رفيق الحريري وسمير القصير وجورج حاوي وصولاً إلى جبران تويني ثمة خط سير يؤكد «المنهجية» في هذه العمليات، لجهة «الضحايا» و«التوقيت» و«الاستثمار النهائي» الذي آل إلى تغيرات انقلابية حاسمة على أوضاع كانت قائمة وبدت ثابتة راسخة غير قابلة للتغيير!!

فإذا كان القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، هو أحد التعبيرات عن التوافق الستراتيجي بين الولايات المتحدة وفرنسا، مدرجاً في هذا التوافق، على نحو وثيق، المتقتضى الستراتيجي «الإسرائيلي»، فمن المؤكد أن التنفيذ الكامل لهذا القرار لا يمكن إنجازه دون «إعادة إنتاج لبنان» نفسه ليصبح «بيئةً» مناسبة موائمة لمقتضيات هذا التنفيذ. وعلى ذلك حدث «انقلاب دولي»، في لبنان ولكنه لم يستكمل على نحو نهائي، ولمّا كانت لجنة التحقيق الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري قد فقدت عناصر الثقة بها، وأعطت صورة مهزوزة عن جهة دولية ليس لديها إلاّ «تركيب الأدلة» وسيلة لتقديم رؤيتها وتحليلاتها واستنتاجاتها عن هذه الجريمة، فلاّ بدّ، مرة جديدة، والحالة هكذا، من العودة بـ«لبنان» إلى «المنطقة صفر» التي نتجت في الأصل من اغتيال الرئيس الحريري، حيث هذه «المنطقة» وحدها، تبيح على نحو مطلق تقرير عمليات «الاستثمار» وفق رؤية «الانقلاب الدولي» وغاياته. وبملاحظة ابتعاد القوى والشخصيات السياسية في لبنان، وبنسبة كبيرة، عن «المنطقة صفر» بفعل «عدم الصدقية» الدولية، وإعادة «اكتشاف الذات»، كان لا بدّ من عملية «مُستنسخة» عن عملية 14 شباط أمام السان جورج، فتم إقرار عملية 12 كانون أول وفي إحدى اختناقات طريق المتن ـ المكلّس.

كان على «القاتل المتسلسل» وقد استأنف عملية «القتل المنهجي» أن يرصد حركة النائب جبران تويني في باريس ووصوله إلى مطار بيروت مساءً، وإلى منزله في الجبل ليلاً، وعمله صباحاً، والطريق التي يسلكها وفي أي وقت؟ وفي هذا «الوقت الخاطف» عليه أن يستكمل أدواته، ويطمئن إليها، وإلى دقتها، ومن ثم ينفذ، ولا يترك أثراً جنائياً!! بل آثاراً، بالجملة، يتم ملاحظتها في «سلّة» الاستثمار السياسي لـ «مقاولين محليين» فازوا بـ«المناقصة» التي طرحها «الانقلاب الدولي»!

«جبران تويني» كان أشدّ المتطرفين ضد «سورية» منذ أكثر من عشرين عاماً، ولذلك هو «ضحية مثالية» في وقت صعب على «سورية» وشديد القتامة على «لبنان» الواقع في قسم منه في حقل «القتل المنهجي» حيث يسوح «قاتل متسلسل» يتّنقل بين «ضحاياه» الذي يجالسونه ويسامرونه فرحين بذلك «الإغواء» الساحر الذي يؤديه، والذي يوصل دائماً إلى تلك الدماء المسفوكة!

انتبهوا.. «القاتل» ليس إلى «جواركم» بل بينكم، قربكم، تحت لحافكم الذي تتدثرون به!!