إيلاف / مروان حمود

إن كانت الدولة وفقا لما تقره العلوم، والتجارب الإنسانية، هي تكامل مجموعة من الأسس والمقومات، كالارض والشعب والمؤسسات وغيرها، وإن كان تقدم أوتخلف دولة ما يعتمد على نسب تكامل تلك الأسس، فأين ستكون مرتبة الدول التي يختل فيها هذا التكامل إلى درجة فقدان أحد ها. الدولة، لابد وأن تؤدي جملة من الوظائف، هي بمجموعها جملة الوظائف التي يؤديها كل أساس من أسسها. وماذا سيحل بدولة ما حين تشل فيها إحدى المؤسسات، أو معظمها؟؟

سوريا، كما غالبية دول العالم " الثالث"، وضمن حدودها الراهنة والمعترف عليها دوليا، قامت على مجموعة الأسس تلك، جعلتها مؤهلة لتكون دولة، وفقا لمواصفات ونظريات علوم الدول والمجتمعات. فهي تقوم على بقعة جغرافية محددة وواضحة الحدود، تقطنها شعوب متعددة القوميات والأعراق، وتنظم نشاطها العام وفقا لمجموعة نظم وقواعد واضحة "الدستور"، وأيضا الشرائع كما جملة من الأعراف. تديرها سلطات رئيسية ومؤسسات مكملة. الدولة السورية هذه عاشت وتعايشت، داخليا وخارجيا، مؤدية وظائفها بشكل معقول بل وجيد، مما جعلها، آنذاك، في مقدمة الدول التي إستقلت في ذات الفترة. حيث المؤسسات والسلطات الفاعلة، وحيث الرقابة والمشاركة، ومساهمة الفرد والجماعة، بشكل إيجابي ومنظم في حما ية المكاسب، وتطوير الأداء العام بكتل أشكاله.

الدولة والمجتمع آنذاك، أكمل كل منهما الآخر، إذ شهدت سوريا ذروة أداءها، إلا أن ذلك لم يستمر طويلا، حيث جملة من الظروف، ذاتية وموضوعية، أدت إلى وقوع أخطاء عديدة وفادحة، أنتجت بدورها شللا في الأداء وأيضا النشاط العام، ولاحقا عطلته نهائيا.

في مقدمة تلك الأخطاء موافقة القيادة على ضم سوريا إلى مصر، في ماأسمي " مشروع الوحدة". هذ الخطوة كانت بمثابة ضربة قاضية لكل من الدولة والمجتمع السوريين. إذ القراءة الخاطئة للتطورات على الساحة الدولية، قاد إلى إستقراء خاطئ للنتائج والإنعكاسات على الساحتين الإقليمية والداخلية، هذا ماقاد بدوره إلى إتخاذ القيادة السورية للقرار الخاطئ، بل اللامسؤول، إلحاق سوريا بمصر، والتخلي عن كافة البرامج التنموية، التي بدأت تحبو بعيد الإستقلال.

"الوحدة" تلك ألحقت بسوريا أضرار كثيرة، معظمها فادحة نالت من البنى الأساسية، أهمها تعطيل المؤسسات الوطنية وإلغاء دورها، ورؤية الأمور وفقا للمصالح الذاتية المصرية، وبالتالي مصادرة حق شعب سوريا في بناء سورية وفقا لمصالحه وطموحاته. تلك الخطوة، ونتائجها شكلت بداية إنتكاسة مسيرة سوريا، ولنستعرض بعض منها:

إلغاء ومنع النشاط السياسي، وكل أشكال النشاط المجتمعي العام. تهجير وقمع المعارضة.

فرض قوانين ملكية غريبة، تمت وفقا عليها مصادرة الأراضي والممتلكات، حسب ماأسموه قوانين "الإصلاح".

تدمير الطبقة الوسطى، وتهجير الأموال وفرض نظم الإقتصاد اللينيني.

تعطيل القطاع الصناعي، وفرض البطالة، والبيروقراطية.

فرض أسس حياتية غريبة لاتتناسب أو تتماشى مع أي من الأنماط السائدة، والتي ميزت سوريا وعموم الشام عنم غيرها من الأمم والمجتمعات. والكثير الذي أضر بسوريا وأعادها سنين، بل وعقود إلى الوراء.

ما أن خرجت سوريا من ورطتها، وكادت تسلك طريق المعافاة حتى وقعت ضحية لإنقلاب آذار، الذي تابع نهج عبد الماصر، وفقا لتسميات جديدة.

إنقلاب آذار أكمل مابدأه عبد الناصر، إذ ألغى بدوره أوجه النشاط المجتمعي العام، وجند كافة إمكانات وطاقات سوريا خدمة لترسيخ إحكام القبضة الحديدية على مقاليد السلطة والإنفراد في الحكم، إذ نجده، وتحت ذرائع حما ية مصالح قومية "عليا" و "مجابهة"عدو خارجي ذا مطاتح توسعية، وإبتداع أولويات توجب تأجيل وتعليق المصالح الوطنية، وإلى ماهنالك من تسميات، بما سهل لاحقا بتعليق العمل وفقا للدستور وإلغائه نهائيا وإستبداله بقوانين تعسفية هي حالة الطوارئ.

هكذا نجد إنقلاب آذار، كما " الوحدة" يعطل ويلغي المؤسسات، ويحدث خللا في أسس الدولة قاد بدوره إلى تحويها إلى مجرد هياكل وسلطاتها إلى مجرد أدوات تنفذ ماترتأيه قيادة " الثورة".

نظام إنقلاب آذار، والإنقلابات التي لحقته، وخصوصا إنقلاب حافظ الأسد. كانت جميعها تجدد إرادة ونهج إلغاء المؤسسات، مهما كان الثمن، أي أن نظام البعث يصر على ترسيخ الخلل الرئيسي، متعمدا بذلك إلى عرقلة تكامل أسس ومقومات الدولة السورية.

الدولة السورية اليوم لاتزال عاجزة عن أداء وظائفها، وأيضا لايشهد المرء من قبل قيادة الشاب بشار الأسد أية محاولات لإعادة تفعيل المؤسسات، وهذا يقود إلى قناعة أن هناك مخططا متكاملا يهدف إلى البقاء على الوضع كما هو عليه. وعليه لن تتمكن سوريا من معالجة أو إيجاد حلول ناحعة لأي من الصعوبات، ناهيك الأزمات التي تواجهها وتعيق نهضتها. وما هذ التخبط والتلكؤ الذي نلاحظه في أداء القيادة السورية إلا دليلا على مساوء فقدان أهم أسس الدولة.

بلد تتعطل فيه المؤسسات، يتعطل فيه كل شئ. وبقاء سوريا رهينة أخطاء وخطايا قادتها وتجريدها من اهم مقومات وجودها وصيرورتها لن يسهم أبدا في أن تنهض أو تستعيد ذاتها. بل سيقود ذلك إلى مزيد من الإنحطاط وإلى مزيد من الصعوبات والأزمات.

لمصلحة من، وماذا، ألغيت المؤسسات؟؟

المؤسسات هي عماد الدول والمجتمعات... فهل من عماد لسوريا؟؟