نزار سلّوم

يعتبر «المهاتما غاندي 1869 ـ 1948» استثناءً خاصاً في التاريخ المعاصر للإنسانية، وعلى نحو محدد، في تاريخ حركات تحرر المجتمعات واستقلالها وحريّة الإنسان. على أن غاندي لم يكن قائداً تقليدياً لحركة شعبية أو حزبية، ولا جنرالاً على رأس جيش أو فيالق عسكرية، بل كان امتداداً خالصاً ومكثّفاً لفلسفة «اللا عنف» التي تعود في جذورها الأولى إلى روح المجتمع الهندي منذ بدايات تشكله. وهو إذ كان أعظم المبشرين بـ «اللا عنف» فإن المفارقة المؤلمة تبدو في تمكّن «العنف» نفسه من وضع حدّ لحياته. حيث قتل برصاص أحد المتطرفين «الهندوس» فيما كانت «حركته» تعمّ القارة الهندية وتحاصر واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ، وتحرجها لتخرج جيوشها من القارة عائدة إلى شواطئ بريطانيا إيذاناً بانحسار «الشمس» عن إمبراطورية كانت تتباهى بمرافقتها لها ولنورها على مدار الأرض! وفي حين أن «المهاتما غاندي» كان وجوداً قائماً وعظيماً، فإن «الغاندية» باعتبارها مذهباً منسوباًَ إلى مؤسسها، لم تستطع أن تكون «وجوداً قائماً» إلا بأطياف باهتة عن مؤسسها، فلم يبق منها إلا «الفكر» وبعض «محاولات» تجسيدها.

وإذا كان «غاندي» قد أيقظ القارة الهندية في مختلف تعقيداتها، وأثناء وقوعها تحت سيطرة الجيوش الإنكليزية، في حركة مركبّة تتناول المجتمع ومقومات وحدته، وقدرته على إنجاز استقلاله، والإنسان ومعنى وجوده وإدغام هذا المعنى بالحرية، فإن واحداً من «الغانديين» اللاحقين في الولايات المتحدة الأميركية، الذي جاءت نهايته كإحدى النسخ للتراجيديا «الغاندية» اختص في دعوته وحركته بحرية الإنسان وتحرره من «القريب» منه الذي يستعبده ويضع حداً لمعنى إنسانيته. هكذا شكل مارتن لوثر كنغ «1929 ـ 1948» أبهى حالة لـ «تمثُّل» الغاندية في الفكر والسيرة. وبعد، هل «الغاندية» قابلة للـ «تمثُّل»؟! وهل يمكن «تمثُّلها»؟ في التاريخ السياسي ـ الاجتماعي المعاصر، تبدو «الغاندية» عصيّة على «التمثُّل» ذلك لأن طبيعة الصراع الذي يحكم الحركات السياسية والاجتماعية في مواجهاتها لم تفسح في المجال لأي «طيف» من «الغاندية» أن يقدم نفسه «بديلاً» من «العنف» الذي يبدو الوسيلة الأكثر «نجاعة» في حسم وجهة هذا الصراع أو على الأقل، في ترجيح مكانة أحد أطرافه.

وبعد، مرةً أخرى، هل يمكن «تمثُّل» الغاندية؟! يعتقد بعض «الزعماء» أو «القادة» أو «رؤساء» الأحزاب في بلادنا عموماً، أنهم قادرون على «تمثُّل» الغاندية، باعتبارها إحدى الخيارات الممكنة لهم، في ظلّ شروط تاريخية لا تبدو معها «خياراتهم التقليدية» صالحة أو في جهوزية تنفيذية. وحتى لا نسترسل في بحث مجرد، نشير إلى أن هذه النتيجة تشكّلت لدينا من ملاحظة طبيعة «الحركات السياسية» وسلوكها وسلوك قادتها خصوصاً، في «بيئة مثالية» تختزل مختلف المسائل والتعقيدات المحلية والإقليمية والعالمية على نحو لا يتوفر راهناً، إلاّ في لبنان.

وفق شيوع التسرع الإعلامي، تم وصف جانب من الحركات السياسية في لبنان ابتداء من آذار 2005، بأنها ذات علامات «أوكرانية» ـ نسبة إلى أوكرانيا ـ وذلك لغلبة «المظهر الشكلي» المتمثل بالأعلام وكثافتها، وباللون البرتقالي المميز للـ«فولار» وأحياناً لـ«ربطات العنق»، وفي حين أن هذه «الأوكرانية» الشكلانية، قابلة لإنتاج نفسها على نحو مشابه «لأصلها» أو نسختها «الأولى» فإن بعض «زعمائها وقادتها» نحو باتجاه «غاندية» مزعومة، وكثيرة الإدعاء بـ «المصالحة والصلح والوفاق»!

على أن هؤلاء، وفي محاولتهم «التمثُّل» بـ «الغاندية» كانوا يدعون إلى نقيضها، فـ «الفكر الإلغائي» القائم على مبدأ «كره الغير» هو بحصر المعنى فكر شوفيني خالص.

كما أن الحديث عن «الصلح والمصالحة والوفاق» لا يستقيم إذا كان مصدره مروجاً لفكرة «الانعزال» أو «الانغلاق الطائفي» أو «الاثني» فكيف إذا كان «بطلاً متوجّاً» من «أبطال الحروب الأهلية» و«قائداً مرقّطاً» من «قادة الميليشيات»!!

ها هنا، تبدو «الغاندية» «تمثيلاً» لا «تمثُّلاً» أي تبدو «شكلانية سياسية» مقززة، لا «روحاً عميقاً» لفكرة تحكم «سيرة» الرجل حتى آخر شهقة من حياته المسفوحة كـ «ضحية» لما يدعون للخلاص منه. في الحالات كلّها حتى «تمثيل» الغاندية على «مسرح سياسي» مكشوف لا يجوز بـ «بنطال الجينز» أو بـ «البذلات الباريسية» والقمصان المنشّاة.

ثمة من حاول «تمثيل الغاندية والمهاتما غاندي» فطرح ثيابه جانباً، وبدا عارٍ من دور تمثيلي، يحاوله منذ زمن. ما بدا ويبدو جسداً «مرقطّاً» مدموغاًً بمذابح وحروب لا تشفى الذاكرة الاجتماعية منها، إلا إذا خرج هو من «المسرح» وحاول «التطهر» بقية عمره. فيما الشباب الذي يتجمع في الساحات يتاح لهم ـ بـ«غيابه» ـ أن يروا أفقاً آخر للحرية يبدأ من تحررهم من «ممثلين» لـ «الغاندية» ونقيضها!!.