موقع الرأي / بشير البكر

يجب الاعتراف بأن النظام السوري حصل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1644، على فترة سماح جديدة مدتها ستة اشهر.إن المطلوب منه خلال هذه الفترة حسب ماهو معلن من الناحية النظرية،هو أن يغير سلوكه حيال العديد من القضايا، وخصوصا التعاون مع اللجنة الدولية للتحقيق الخاص بجريمة اغتيال الحريري.فبعد أن كانت التقديرات والمؤشرات كافة تتجه، الى أن يكون التقرير الثاني لرئيس اللجنة المستقيل ديتليف ميليس مدويا،فإنه جاء عكس التوقعات. بل إن الوقائع التي حفل بها،وغطت حوالي سبعة اسابيع تلت تقريره الأول،لم تأت على ذكر الأدلة التي اصبحت بحوزة اللجنة،و صار متعارفا عليها حول مسؤولية رأس هرم السلطة في دمشق، الثابتة والأكيدة عن الجريمة.

لايمكن في كل الأحوال تفسير السر الكامن من وراء اختزال التقرير،إلا من خلال الحديث الذي بدأ يتأكد، عن وجود صفقة سورية مع الولايات المتحدة وفرنسا برعاية السعودية ومصر.وصار من الثابت الحكم على ان هذه الصفقة بدأت، بلقاء برشلونة بين ميليس ومسؤول الشؤون القانونية في وزارة الخارجية السورية رياض الدواودي، في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.لقد قاد ذلك الاجتماع الى اتفاق استجواب المطلوبين السوريين للتحقيق في فيينا، بدلا من "المونتيفيردي"في لبنان،وقلص عددهم من سبعة الى خمسة،فاستثنى بذلك ضباط العائلة الحاكمة ماهر الأسد وآصف شوكت. والمفارقة الغريبة هنا، هي أن الأوساط المتابعة للتحقيق كانت شبه مجمعة على ان ميليس سوف يطلب بعد تحقيق فيينا،توقيف الضباط السوريين الخمسة وعلى رأسهم رستم غزالة.إن عدم الإقدام على هذه الخطوة حتى اليوم، لايمكن أن يفسر على أن هؤلاء يستفيدون فقط من قرينة البراءة.كان ينبغي أن يعاملهم التحقيق، على النحو الذي عامل به الضباط اللبنانيين الكبار الذين تم احتجازهم تحت بند الشبهة.فإما أن تكون درجة الشبهة ضعيفة الى حد أن ميليس لايستطيع طلب توقيف هؤلاء،أو أن هناك عوامل أخرى تحول دون ذلك. انه بينما يقبع جميل السيد وبقية المشتبه فيهم من الضباط اللبنانيين في السجن،بانتظار المحاكمة،فإن غزاله وفريقه حر طليق.تبدو المعادلة هنا مختلة،ولايمكن لها أن تستقيم من غير إضافة عامل الصفقة.

تطرح هذه الصفقة اسئلة كثيرة من حولها:من هي أطرافها ولماذا تتم،وعلى أي أساس،وعلى حساب من،ومن سوف يستفيد ويتضرر منها؟

يشارك في هذه الصفقة النظام السوري والولايات المتحدة وفرنسا،وترعاها السعودية ومصر،بينما لبنان لايشارك فيها على نحو مباشر.

تهدف الولايات المتحدة وفرنسا من وراء الصفقة، الى وقف تدخل النظام السوري في العراق ولبنان.

تجري الصفقة على أساس القفز على"الحقيقة" في ما يتعلق بدم الحريري،ويعني ذلك تخفيض مستوى المسؤولية الى حد التضحية بمجموعة من الضباط البنانيين والسوريين،من دون الوصول الى المستويات العليا.من الواضح هنا، هو ان الصفقة تتم على حساب التضحية ب"الحقيقة" وحق عائلة الحريري ورفاقه ،أي "قوى 14 آذار".

إن المستفيد من الناحية النظرية هي الولايات المتحدة والنظام السوري وحلفاؤه،وكذلك فرنسا التي تنشد استقرار لبنان،بينما سوف تتضرر بلا هوادة،ومهما كانت الضمانات الاقليمية والدولية،جميع الاطراف التي راهنت على أن التحقيق باغتيال الحريري سوف يضعضع الحكم في دمشق.

لابد من الاشارة الى نقطة اساسية هنا،وهي إن هذه الصفقة تتم من حول بدعة تصل في غرابتها حد الخرافة،وهي ضرورة الحفاظ على استقرار سوريا بأي ثمن.لقد ساد نوع من الوهم لدى بعض الاوساط في أن اضعاف النظام السوري، أو رحيله سوف يولد فوضى شبيهة الى حد كبير بما هو حاصل في العراق اليوم.من دون أدنى شك إن المروج الأساسي لهذه المزاعم، التي لاتستند الى أساس منطقي هو النظام، الذي يريد ادامة حكم عائلة الأسد الى اطول مدى ممكن.

إن المؤكد هنا هو أن الاطراف الخارجية ليست عند نفس الدرجة من اعتناق هذه المقولة،لكن لكل منها سببه الخاص لترويجها وجعلها ترقى الى مصاف"الحقيقة"،اذ لايخفى على أحد عدم تشابه الظروف، واختلاف المعطيات مابين حالتي العراق وسوريا.ففي الحالة السورية لاتطرح الحرب كخيار لدفع النظام للرضوخ .ومن جهة أخرى لايحتاج البديل السوري الى معجزة لكي يولد.وعليه،فإن عقد صفقة مع النظام استنادا الى هذه الذريعة الواهية،هو الذي سوف يقود الى فوضى في سوريا.إن اطلاق يد النظام ،كما حصل في اكثر من مرة في السابق،سوف يؤدي الى سد المنافذ امام التغيير الديمقراطي السلمي،ويولد حالة من اليأس لايستطيع أحد أن يقدر إلى أي مدى سوف تذهب.وسيكون عامل إرهاق إضافي، وإضاعة المزيد من الوقت.

لم يراود قوى التغيير في سوريا وهم ، بأن نتائج التحقيق باغتيال الحريري سوف تؤدي الى اسقاط النظام،لكنها نظرت الى الأمر من زاوية نهاية صلاحية الحكم الحالي،مما يفتح الطريق نحو الانتقال الى مرحلة مابعد حكم المافيا الطائفية.وهذا أمر يحتاج الى مساعدة المجتمع الدولي.

أما على الصعيد اللبناني فإن المسألة لاتقل تعقيدا،وهنا تلخص كل عملية اغتيال حصلت منذ محاولة مروان حمادة وحتى جبران تويني،جانبا من تفكير النظام في التعامل مع هذا الجار الشقيق،الصغير الذي كاد بفعل جبروت وشراهة الشقيق الأكبر ان يتنازل عن كيانه.

ليس بالضرورة،أن تؤدي الصفقة الى علاقات صحية بين الدولة اللبنانية والحكم السوري الحالي،أو حتى الى تبريد المواجهة.إن اغتيال جبران تويني الذي حصل قبل الاعلان عن تقريرميليس بساعات دليل دامغ على صحة هذا الاستنتاج.فلقد قتل جبران لدوره في "انتفاضة الاستقلال" قبل كل شيء.ثم إن مواصلة وسائل الاعلام السورية حملتها ضد وليد جنبلاط، هو مؤشر الى عدم نية النظام السوري التزام التهدئة مع "قوى 14 آذار"،وهذا يعني أن حياة جنبلاط وبقية خصوم الحكم السوري ليست بمنأى عن الخطر.بل إن قائمة الاغتيالات سوف تأخذ مجراها حتى النهاية.وبالتالي سوف تكون محصلة استقرار سوريا،فوضى لبنان.

مقابل هذه القراءة السوداوية للمسألة هناك نظرة"ايجابية" ، ترى أن النظام السوري امامه فرصة ستة اشهر ،لكي يغير نفسه بنفسه،وإلا سوف يفرض عليه التغيير بقرار من الخارج.