الرأي العام/ خير الله خير الله

كانت السنة 2005 سنة كل اللعنات على المنطقة، لكنها كانت أيضاً سنة الأمل في أن الليل لا يمكن إلا أن ينجلي,,, شرط التمكن من معرفة الحقيقة في شأن ما حصل ويحصل من جرائم في لبنان وفي كل أرض عربية أخرى, ذلك أن الاستمرار في السعي الى التغطية على الحقيقة يشكل استهتاراً بكل انسان عربي وبكل القيم الحضارية التي يفترض في أهل المنطقة، على رأسهم العرب أن يكونوا جزءاً لا يتجزأ منها بدل أن يكونوا في حال هرب مستمرة منها.

تخدم الحقيقة كل انسان في المنطقة, تخدم العراقي والسوري واللبناني والفلسطيني والمصري والسوداني وكل مواطن من مواطني دول شمال أفريقيا، اضافة بالطبع الى مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الذين يحتاجون أكثر من أي وقت الى فضاء عربي سليم يتحركون فيه ويستفيدون منه ويستفيد من ثرواتهم وقدراتهم, أما البديل من هذا الفضاء العربي السليم، فهو ذلك الذي بدأ يتكوّن حالياً بدءا بما يحصل في العراق وانتهاء بالمآسي التي تشهدها فلسطين، والتي تجعل ما كان يعتبر الى ما قبل فترة قصيرة القضية المركزية للعرب في مهب الريح.

تعني الحقيقة في العراق، الاعتراف أوّلا بأن العرب كانوا مسؤولين عن تغطية جرائم صدام حسين ونظامه العائلي- البعثي الذي فتك بالعراقيين من كل الأديان والطوائف والمذاهب وقضى على نسيج المجتمع العراقي وحوّل العراق من دولة غنية بأنسانها وثرواتها الى دولة فقيرة منبوذة, لو تحرك العرب باكراً واتخذوا في حينه موقفاً من النظام الذي أوصل الى الاجتياح الاميركي للبلد وجعله مبرراً وممكناً، لما كان عليهم أن يواجهوا حالياً ظاهرة من أخطر الظواهر التي عرفوها منذ انهيار الامبراطورية العثمانية مطلع العشرينات من القرن الماضي, انها ظاهرة اعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والتوازنات القائمة فيه انطلاقا من العراق.

ما يحصل في العراق حالياً أمر في غاية الخطورة يتمثل في أن البلد في حرب أهلية شئنا ذلك أم أبينا, والسؤال الذي لا مفرّ من مواجهته هو: هل في الامكان وقف هذه الحرب التي أكدت قيامها نتائج الانتخابات الأخيرة؟ لقد أظهرت الانتخابات التي سينبثق عنها مجلس جديد مدة ولايته أربع سنوات أن العراقيين منقسمون أكثر من أي وقت على أسس عرقية ومذهبية وان الادارة الأميركية التي استطاعت اسقاط نظام صدّام بسهولة أيقظت كل الغرائز التي كانت كامنة في المجتمع، خصوصاً بعدما زرعت مبدأي «الأكثرية الشيعية في العراق» و«الفيديرالية» في قلب المعادلة الجديدة التي سينشأ عليها البلد, والصراحة تقضي بالقول ان مبدأ «الأكثرية الشيعية» جاء ارضاء لايران التي كانت الشريك الفعلي في الحرب الأميركية في العراق, هذه هي الحقيقة التي يفترض بالعرب التعاطي معها في حال بقي لديهم ما يفعلون في العراق باستثناء ترداد كلام لا معنى له يرفض الاعتراف بأن الرد على الانقسامات الطائفية والمذهبية في العراق لا يكون بتشجيع التطرف اياً تكن الجهة التي تقف وراءه ولا باطلاق المبادرات الفارغة من أي مضمون من نوع تلك التي قامت بها جامعة الدول العربية التي اكتشفت فجأة أن هناك وضعاً غير طبيعي في العراق, ان الشجاعة تقضي أوّلا بمواجهة الحقيقة, والحقيقة تتمثل في ان هناك بلداً يفقد كل ما هو عربي فيه لمصلحة قوى اقليمية تشجع على ذلك, والرد يكون بدعم الأكثرية العربية في العراق التي هي واقع، شرط أن يكون هذا الدعم لفكر عربي مستنيريعترف بالآخروينفتح عليه, فكر يقبل بان يكون رئيس العراق كردياً أو تركمانياً او من أي ديانة من الديانات أو قومية من القوميات، شرط أن يكون العراق جزءا لا يتجزأ من المنظومة الأمنية العربية وأن يحافظ على وحدته الترابية بدل أن يصير ثلاث دول على الأقل, ثلاث دول تتحكم ايران باحداها في الجنوب والأكراد بالثانية في الشمال والتنظيمات السنية المتطرفة بدولة الوسط التي ستكون محرومة الى حد كبير من نعمة النفط.

هل كثير أن يطلب ذلك من العرب في مواجهة أخطر تحد عرفوه منذ قيام دولهم الحديثة وبينها دولة العراق مطلع العشرينات؟ مرة أخرى، ان التحدي العراقي الحالي أخطر بكثير من ذلك الذي واجهه العرب بعد قيام دولة أسرائيل على أرض فلسطين في العام 1948. لقد استطاع العرب مواجهة النكبة ثم هزيمة 1967. نعم استطاع العرب استيعاب اسرائيل على الرغم من كل المآسي والهزائم التي لحقت بهم, حتى أن معاهدتي السلام المصرية والأردنية مع الدولة اليهودية كانتا جزءاً لا يتجزأ من عملية الاحتواء العربية للسياسة الاستعمارية الاسرائيلية، علماً بأن بعض المرضى عقليا يشكون من التطبيع ويربطونه بالمعاهدتين، في حين أن التطبيع شيء غير موجود, هؤلاء المرضى لا يدركون أهمية ما يشهده الشرق الأوسط حالياً انطلاقاً من العراق.

هناك وباء يمكن أن ينتشر على مستوى المنطقة انطلاقاً من العراق حيث لم تخدم الانتخابات الديموقراطية بمقدار ما كرست الطائفية والمذهبية والعرقية والهيمنة الخارجية على جزء من مقدرات البلد, يحصل كل ذلك والادارة الأميركية تتحدث على أعلى المستويات بشكل ايجابي عن منعطف تاريخي، فيما الحقيقة أن الادارة تبحث عن مخرج من العراق يحفظ لها ماء الوجه, أين العرب من كل ذلك؟ الم يحن مع انتهاء العام 2005 وقت طرح الأسئلة الحقيقية من نوع هل في الامكان عمل شيء في العراق الذي يشكل سقوطه سقوطاً لمنظومة الأمن العربية ككل؟ ثم ماذا عن فلسطين والحقيقة المتمثلة بأن «حماس» بمسلحيها المقنعين الذين يطلقون النار في الهواء في كل مناسبة وشعاراتها التي لا علاقة لها بالواقع، مرشحة لأن تصبح واجهة الشعب الفلسطيني, كيف يمكن لقضية فلسطين، التي هي قبل كل شيء قضية شعب يطمح الى ايجاد مكان لنفسه على خريطة المنطقة،أن تعود الى الواجهة ما دام مستقبل هذا الشعب بات مرتبطاً بحركة تطالب بتحرير فلسطين بالقوة من البحر الى النهر ومن النهر الى البحر؟ أوليس صعود نجم «حماس» على حساب الواقعية السياسية التي مثلتها «فتح» تاريخياً أسعد يوم في حياة أرييل شارون صاحب المشروع الاستعماري الجاهز؟ انه مشروع يستهدف بكل بساطة جعل «الجدار الأمني» الذي يبتلع القدس واجزاء من الضفة الغربية الحدود النهائية لدولة اسرائيل.

وماذا أخيراً عن لبنان حيث يبدو العرب في موقع الخائف من الحقيقة لأسباب لا علاقة لها بمصلحتهم الحقيقية التي تكمن في الانطلاق من الجرائم التي تعرض لها البلد الصغير لوقف مسلسل الاغتيالات السياسية نهائياً, المؤسف أن بعض العرب بما في ذلك جامعة الدول العربية، على استعداد للمساومة على دم رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما وعلى دم جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي في اطار معادلة فحواها أن النظام السوري دفع ثمن دم الحريري ودم كل من اغتيل أو تعرّض لمحاولة أغتيال في لبنان بما في ذلك دم الشهداء الأحياء مروان حماده وإلياس المر ومي شدياق، وأنه يكفي أن يكون انسحب عسكرياً من لبنان كي يُعتبر أنه دفع المتعين عليه دفعه, أما مسألة طرح قضية مستقبل النظام فهذه من المحظورات عربياً بغض النظر عما اذا كان مسؤولاً عن الجرائم التي وقعت في لبنان أم لا, ولكن في غياب الحقيقة، مَنْ من العرب على استعداد لضمان عدم حصول جرائم جديدة في لبنان, من على استعداد لتسمية الأشياء بأسمائها والقول أن التحقيق الدولي مصلحة عربية بمقدار ما أنه مصلحة لبنانية، وان المحكمة الدولية مصلحة عربية أكثر مما هي مصلحة لبنانية، وان سلاح «حزب الله» حليف النظام السوري في لبنان، الحزب ذي المرجعية الايرانية أوّلا وأخيراً مشكلة عربية قبل أن يكون مشكلة لبنانية, هدف الحزب الذي أوجد موطىء قدم للنظام الايراني في لبنان واضح وصريح, انه يستهدف تكريس البلد «ساحة» لصراعات الآخرين على أرض لبنان بما لا يخدم مصلحة العرب عموماً في أي شكل, من من العرب يجرؤ على أن يكون على تماس مع الحقيقة في شأن لبنان ويسأل: ما هذا التساهل لايران و«حزب الله» مع الاحتلال الأميركي للعراق وكل ما أنتجه هذا الاحتلال على صعيد المؤسسات الجديدة ذات الطابع المذهبي والعرقي؟ وما هذا الاستئساد على الحكومة اللبنانية لمجرد سعيها الى معرفة الحقيقة، حقيقة الجرائم التي ارتكبت والتي لم يذهب ضحيتها سوى لبنانيين عروبيين سعوا الى لبنان حضاري وعروبة حضارية؟

من العراق، الى فلسطين، الى لبنان، طرحت أحداث العام 2005 سلسلة من الأسئلة أمام العرب, خلاصة هذه الأسئلة هل يريدون التعاطي مع الحقيقة أم لا؟ ربما كان السؤال الأكثر دقة هل يتجرّأون على التعاطي مع الحقيقة ام لا؟ ربما يتجرأون على ذلك في حال الاعتراف بأن إعادة رسم خريطة المنطقة تتم على حسابهم.