الاتحاد /د. طيب تيزيني

درج فريق من السياسيين والمثقفين العرب على تسويق الاعتقاد بأن الديمقراطية نظام سياسي يعود نسبه إلى الغرب عامة، وإلى البورجوازية التي تُفهم -والحال كذلك- بأنها نتاج الغرب على نحو الخصوص• وقد استنبط بعض هؤلاء وأولئك نتيجتين لهما شأن خطير على الصعيد العربي تاريخاً وراهناً• ففي الحقل التاريخي، تكوّن الرأي القائل إن التاريخ العربي لم يعرف نمطاً من النظام السياسي القريب، بقدر أو بآخر، من الديمقراطية، مِما يعني هنا أن التاريخ المذكور هو -في عمومه- تاريخ الاستبداد السياسي والفكري•

وبعودة أولية إلى الماضي العربي المتمثل في بدايات التدفق الغربي الاستعماري الحديث باتجاه العالم العربي والإسلامي، يلاحظ أن الغرب يقوم بمهمتين اثنتين كبريين حيال معظم العالم العربي• أما الأولى منهما فتمثلت في إيقاف مُيولِ واتجاهات النهوض فيه، وذلك إلى درجة شنّ حرب في سبيل ذلك• وظهر ذلك خصوصاً في اتفاقية كوتاهية، التي أُرغمت مصر على توقيعها من قبل إنجلترا وفرنسا عام ،1841 وهي اتفاقية بدّدت آفاق المشروع، الذي بدأ به محمد علي وابنه إبراهيم• ومع تحقق هذه المهمة وفي سياق تعاظم التدفق الغربي المذكور، استطاع الغرب أن يؤسس أو أن يسهم بقوة في التأسيس لنظم سياسية استبدادية ديكتاتورية هنا وهناك من العالم العربي في مشرقه كما في مغربه• ومع الإقرار بحصول حالات من التقدم في الحقلين المذكورين، إلا أن المسار العمومي، الحاسم في تحديد السمات الكبرى للمجتمعات العربية على صعيد الحكم السياسي وآلياته، لم يتعرض لتغييرات بنيوية عميقة إلا لماماً، سواء تعلق ذلك بالنظم الملكية أو الجمهورية وغيرها• وها هنا تجلت المهمة الثانية، التي أنجزها الغرب الاستعماري حيال العالم العربي• وسنلاحظ أن تغيّراً رئيساً في موقف الغرب المذكور يعلن عن نفسه بعد عقود طويلة من الزمن، تمثّل في رفع حمايته للنظم العربية الديكتاتورية، وفي الإعلان عن استراتيجية تفكيك هذه الأخيرة واستبدالها بأخرى يسميها بـ’’الديمقراطية’’• فلقد استنفدت أغراضها في عصر لا يحتملها، وهو عصر النظام العالمي الجديد• وهنا، يواجه العرب أسئلة بل سؤالاً واحداً حاسماً، ذلك هو: هل يرفضون ما حدث وما زال في طور الحدوث، وهو تصديع أسوار النظم السياسية المغلقة على أيدي الغزاة الخارجيين؟ إنه سؤال يحمل إشكاليته بين جوانحه، فهو يحتمل الوجهين الرئيسين في المسألة: لا ونعم• فالقول بقبول ما حدث إنما هو قول بقبول أمر واقع، أمر وقع• وفي هذه الحال، يجد العرب أو بعضهم أنفسهم أمام ضرورة اكتشاف اللحظة المناسبة، التي يفكون فيها الارتباط مع الفعل الغزوويّ الخارجي، بعد أن أخفقوا في ردّه قبل تحقّقه، بكل الوسائل المتاحة، وغالباً ما يصير ذلك ممكناً بعد سقوط النظام الديكتاتوري الاستبدادي• وبصيغة منهجية تاريخية مفتوحة، يمكن التعبير عن الإشكالية المذكورة على النحو الطريف التالي: كيف تحوّل الرذيلة إلى فضيلة؟

ذلك أمر ذو أهمية راهنة يشير إلى أمر آخر غالباً ما سُكت عنه أو غُيّب في ردهات المصالح لفريق وآخر في الحياة والفكر السياسي العربي، نعني به القول بكون الديمقراطية، بمثابتها نظاماً سياسياً وآليات تطبيقية، حالة مستوردة ومستجلبة من الخارج الغربي، خصوصاً في مراحل ثوراته البورجوازية العريقة• بيد أن عدداً من الدراسات في حقل التاريخ السياسي العربي أظهرت أن ذلك الحكم يحتمل التشكيك، أو أن يكون ذا طابع جزئي• وفي هذه الحال، يغدو من ضروب الوهم أن تبحث عن ’’نظام سياسي متكامل’’ في التاريخ المذكور وذي طابع ديمقراطي، ذلك أن التاريخ العام لم يسر على هذا النحو الكلّياني، بقدر ما عبّر عن نفسه، بمقتضى الحيثيات السوسيوثقافية والاقتصادية والمنظومات الأيديولوجية والفنية وغيرها، مما يعني النظر إليه بمثابته سياقاً مفتوحاً وغير ناجز•

النظام السياسي الديمقراطي لم ينشأ بوصفه مغروزاً في جلود الغربيين بالفطرة، بل هو تجلّى-بقدر أو بآخر- في تواريخ بشرية متعددة، وخصوصاً في التاريخ العربي حتى النهضة العربية الحديثة وقبل نشوء المعادلة القائمة على غرب رأسمالي صناعي متصاعد في القوة، وعالم عربي ما إن أخذ في التدرج باتجاه النهوض الحديث حتى واجهته قوى الغرب المتمرسة بالقوة منذ ثلاثة قرون قبل هذا النهوض• أما الشق الآخر فيتحدد في خطل النظر إلى النظام السياسي الديمقراطي على أنه متماهٍ ومتطابق مع الطبقة البورجوازية والنظام البورجوازي أولاً، وعلى أنه هو نفسه ذو نسيج بورجوازي ثانياً• وهذا محور ذو أهمية منهجية كبرى بأهمية نظرية خاصة متصلة ببلدان العالم عموماً، وبحسب الخصوصيات التي تقع في خلفية كل منها• بيد أن ما قد يُجمع عليه باحثون كثر أو ما يقف أمامه هؤلاء وقفة القبول المشروط، إنما ينطلق من أن النظام المذكور هو حصيلة العصور الإنسانية الحديثة، بما تكون فيها من عناصر متعددة تنتمي للغرب كما للشرق، ولمراحل النهضة والتنوير هنا وهناك•