جوني عبو (صدى البلد)

عذراً يا سيدي عميد الصحافة الاسم السوري العريق الذي عمره آلاف السنين غسان تويني، دعنا نبكي قليلاً فهذه المرة الأولى التي سأرفض بها طلبك لأن البكاء فرحا هو انتصار للحرية والشهادة وللتوحد الذي طالما أقرأتنا إياه في ملامحك السورية التي نقلتها لنا بإضافة مميزة منك منذ آلاف السنين وأعدت الى طائر الفينيق وجهه الذي تشظى بأدوات القتل من وراء البحار، ليوطنوا بيننا قيحهم الأصفر ويحاولوا إقناعنا ان المدفع يسكت قدرة القلم على الدوي وصناعة الأجيال والمستقبل.

أنت الذي قلت يوماً ان ذخيرة المحارب تنفد ولكن حبر القلم نهر متدفق لأنه يصنع من كل الأشياء ومكونات الطبيعة ولعله يمكن ان يكون من خمرة تارة ودماً تارة أخرى وعصير ورق الأشجار وجذورها أغلب الأحيان. عذراً يا سيدي جبران تويني الجد المؤسس لقد فاتك ان توقظ ديك "النهار" ولو قبل أوانه بقليل لعل قافلة الموت كانت تأخرت بعض الشيء لكنك على ما يبدو أدركت مبكراً قبل ان نولد ان قيمة الحياة هي السماح باستمرارية الحياة التي تودي بالإنسان الى عالمه وتودي أيضاً بالقتلة الى الزوال.

عذراً يا سيدي عميد صحافة الضاد الشامية غسان تويني لقد رجوت الرب ان يغفر لهم لأنهم يعلمون ماذا يفعلون يا أبت وخلقت لنا السؤال؟ لكنك نسيت ولدك الشهيد جبران الذي كان يعرف أيضاً انهم سيأتون ليغتالوا النهار تاركاً إياه في حرية البراري شامخا في وجه التحديات بينما كانت الجموع تشتاقه وتحتاجه حبراً وجسداً لا خمراً مسكراً أو ربما عرساً لقانا الجليل على مشارف بحار الشام الكبيرة. الله معك يا جبران الحرية والمواطنة المدنية؟ هل غادر الشهيد؟ لأنه كان يفترض المواطنة ويحب بلده ويريد له أوكسيجين الحياة في محيط عربي شمولي واسع الغباء فهذه حقيقة قانون الوجود فالاختلاف معك في الرأي لا يلغي أنك أيها الثورجي في عصر الخسة والشبهات كنت مخلصا لحارتك وزهورها وترابها ولمدينتك وبحرها وجدها وناسها، وقديما قيل أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله أما اليوم فإننا تعودنا ان نجد القيصر لا يكتفي بما يكفله له الله ويكاد يبخل على العطاء حتى على الله.

نهارك نهار ساطع أبداً أيها الشهيد لأنك أردت لجيل نائلة ابنتك ان يكون لها ولرفاقها نهارهم وديكهم الذي لن يقدم على مائدة الفصح وقت يشاء القاتلون حلاً لمعصياتهم.

تأخرت كثيرا يا أستاذ في النهار بأن سمحت للبعيدين بالتعرف على نائلة تلك الوردة التي عاهدتك مراراً وأن تغفو انها ابنتك وابنة أبيك وابنة جد أبيك، تأخرت يا أستاذ لترينا نتاجك العائلي الفكري ولكنك بنفس الوقت حملتها فوق طاقتها حملاً تعجز الزهور عن تحمله ورغم ذلك فإنني مؤمن ان البيت العتيق العريق النهاري هو آهل لكل المحن والمصاعب وإعادة بناء المستقبل مع كثير من شباب لبنان الذين تعهدوا البقاء على الاهتمام بما كنت تؤمن به ودفعت حياتك من أجله.

سأفتخر أنا وأمل رفيقتي في الحياة اننا التقطنا ذكرى تاريخية معك يا أستاذنا غسان في إحدى أمسيات بيت الدين حين قصدنا السماع لسيدتنا العظيمة فيروز ويومها طلبت منا أنت والرئيس أمين الجميل ان ننقل محبتك للشام وأكدت انك تفرق بين الصالح والطالح في كل المجتمعات.

نختلف في الآراء لا مشكلة لكننا نقاتل من أجل الا يقتل صحافي كبير مثل جبران تويني ونقاتل من أجل الحرية والديمقراطية ونقاتل من أجل ان يكون هناك الكثير من النهار على مساحة بلاد الشام. انحناءة وقورة لحزنك يا شيخنا الكبير غسان تويني لمصابك القديم والجديد، لعمارتك الشاهقة منارة للأجيال، انحناءة محبة ومواساة لحزن نايلة وأخواتها عقد الرجاء والأمل انحناءة لطائر الفينيق العتيق، لقلم قال: "ان الغد سيكون أفضل إذا شحنّا إصرارنا بالإرادة على ما نريد".

سيأتي ذلك اليوم الذي يرى فيه العالم انتهاء حتمياً لحمقى الظلام وقتلة الأقلام كي يبقى النهار بشمسه وديكه شاهدين على حركة التاريخ الذي وان تأخر فهو لا يهمل ولا ينسى... سنتذكرك جدنا غسان قمة من قمم جبال الشام لا تقبل الحزن أو البكاء أو التوقف لأننا ننتظر ان تزهر الحياة من جديد مع نايلة وأخواتها متطلعين الى الأمام تاركين الجرح النازف على رفوف الذاكرة التي ستقرؤها الأجيال حباً بالحرية وإيماناً بالكلمة.