ماهر سمعان

لطالما كان العلم بكل تنوعه وتداخله كقطعة موزاييك رائع الجمال. وكذلك كانت الحركة الثقافية في بلدانه المختلفة؛ قطع الفسيفساء والموزاييك الصغيرة والتي كلما زاد تنوعها ضمن اطارها العام وفي سياقها المدروس, كانت أكثر فعالية وتقدما.

بين مسرح مقل وسينما تغلب عليها نوعية معينة, تحكم العشوائية وألوانها الشحيحة غير المتناسقة على لوحة من الفوضى المفزعة في بلادنا. من أفلام الاثارة والقتال القديمة, الى عدد لا بأس به من المحاضرات والندوات قليلة الحضور (الذين في أغلبهم من اصدقاء المحاضر), بجانب معارض الفن التشكيلي التي يغلب عليها العمل التجاري؛ يتخبط الجمهور السوري بين متابعة الحياة الثقافية واهمالها, لتعيش الثقافة حالة كساد مزمن.

قد يكون هذا الكلام مجحفا وغير موضوعي خصوصا مع ما تقوم به الدولة ممثلة بوزارة الثقافة من انجازات تطالعنا بها كل فترة؛ فمن انجاز دار الاوبرا التي طال انتظارها (وكلفتها ايضا) وتحديث صالة الحمراء اكبر مسارح العاصمة وافتتاح كلية التربية الموسيقية في حمص في السنوات الماضية, الى عودة مهرجان دمشق المسرحي وحملة لتحديث دار الكندي السينمائية التابعة للدولة في كافة المدن الرئيسية وتحديث القوانين الراعية للحركة السينمائية, الى ما هنالك.... ما استبشر به الناس خيرا لاعادة تنشيط الحياة الثقافية في البلاد من قبل المحرك الاساسي لها والنهوض من جديد بالحياة الثقافية السورية.

تغلب المجانية او الاسعار الرمزية على الفعاليات الثقافية في سورية مع بعض الاستثناءات؛ ما يخفف الاعباء المادية التي قد تمنع الجمهور من المتابعة. وبالنظر الى الجهات التي ترعى وتمارس النشاط الثقافي الى جانب الجهات الخاصة من جمعيات اهلية وفرق مسرحية وموسيقية خاصة. فان التنوع قد لا ينقصنا أيضا... رغم هذا كله تتضاءل الحركة الثقافية بشكل كبير ومستمر, باهتة الالوان تضغط عليها العوامل الاقتصادية من كل الجوانب. ما يدفعنا الى السؤال الاهم في هذه الاحجية الثقافية بجدارة عن اسباب الركود, وما يمكننا فعله لاجل تنشيط الحياة الثقافية السورية؟...

ان انحسار الاهتمام والمتابعة في اغلب شرائح المجتمع لكافة اشكال الانشطة والفعاليات الثقافية ادى مع الوقت الى انخفاض سوية الثقافة في سوريا بل وزوال بعض أهم مظاهرها. قد يكون العمل الرئيسي اقتصاديا او ابداعيا أو كلاهما... ولكن وبكل الاحوال فان اقتصار المتابعة على فئة معينة وقليلة انما هو مؤشر على عدم انتشار الثقافة في البلاد وانخفاض السوية الثقافية في المجتمع السوري.

وفي جانب آخر فان عزوف القطاع الخاص عن المشاركة والذي يمثل الهدف الاساسي والوسيلة الرئيسية في نفس الوقت لتنشيط الحركة الثقافية قد يمثل عاملا اضافيا لهذا التدهور. ان اتهام القطاع الخاص بمعاملة الثقافة والفن كتجارة تربح أو تخسر اجحاف كبير؛ فالفن او النشاط الثقافي بالنسبة لجهة أو شخص يريد التفرغ له يصبح مصدر رزق و يتطلب منه تأمين عوامل الاستمرار والتطوير. كما وان مشاركة قطاعات المجتمع في الحياة الثقافية يستلزم ان يكون هناك خطوات حقيقية لزيادة شعبية المتابعة الثقافية وبالتالي الريع الناتج عن النشاط الثقافي مما يشجع القطاع الخاص للمشاركة واخذ دوره ومكانه على هذه اللوحة. ان الهدف هو نشر الثقافة بين الناس بأوسع نطاق والوسيلة هي بزيادة تنوعها وقاعدتها الشعبية التي تؤدي للاستمرار بالعمل.

ان الحياة الثقافية في سوريا تتخبط وتسير بدون هدى بل وتقف في أغلب الاحيان وهذا هو الخطر ذاته. فاذا كانت اللوحة الثقافية مشوهة وغير متناسقة بل وبدائية الى ابعد الحدود فذلك لسبب أو اكثر مما ذكرنا وربما لاسباب اخرى لم نذكرها... وبكل الاحوال لسنا هنا لرفض او قبول كون الدولة هي الحامل الاساسي للحياة الثقافية السورية ولا في وارد تحميلها وزر الكارثة؛ وانما من منطلق ان الثقافة من أهم مقومات التجمعات البشرية المتحضرة بل وأهم وجوه هذا التحضر وأن مسؤولية تنشيطها (أي الثقافة) تعود لكل فرد في البلاد مسؤول كان او مواطن عادي.