الخليج/ يوسف كركوتي

سوريا في عين الإعصار الأمريكي

مثّل العام 2005 امتحاناً قاسياً لقيادة الرئيس السوري الشاب الدكتور بشار الأسد وللسياسة السورية ككل، ولم تلتقط الدبلوماسية السورية أنفاسها طول العام، في البدء حاولت تطويق ذيول القرار “1559” الذي صدر في الثاني من أيلول/ سبتمبر ،2004 ثم ما لبثت أن غرقت في زلزال الرابع عشر من شباط/ فبراير 2005 وهزاته الارتدادية، فلقد غيرت جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه المعادلات الداخلية اللبنانية والإقليمية والدولية، وهو ما أوصل السياسات السورية والدور السوري في لبنان إلى الجدار، وأعتبر بنظر أكثر المراقبين السياسيين مأزقاً مركباً للسياسة السورية تطلب جهوداً مضنية بذلتها الحكومة السورية كي لا ينعكس على الداخل السوري الذي بقي ولعدة سنوات محسوباً فيها استمرار الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان وملحقاته السياسية والاقتصادية.

لكن تطويق ذيول الزلزال إقليمياً ما زالت تعوق دونه سلة من القرارات الدولية فرضت على سوريا مجموعة من الالتزامات تحاول سوريا جاهدة أن تتخطى منها ما يسمى دورها الإقليمي، أو على الأقل التخفيف من حدتها ووقعها دون أن تغفل للحظة سيف توقيع عقوبات سياسية واقتصادية بحقها، والتي قد تصل إلى حد اعتداءات عسكرية تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على أهداف منتقاة في سوريا تطال المقرات السيادية والبنى التحتية.

وحسب الأجندة التي نص عليها القرار “1559” كان من المفترض أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة في الرابع من ابريل/نيسان تقريراً عن مدى التزام سوريا بالقرار، خاصة فيما يتعلق بانسحاب قواتها من لبنان مع الأجهزة الأمنية التابعة لها. لكن تسارع الأحداث تجاوز كل ذلك، فما هي أهم أحداث العام 2005 في سوريا :

زيارة تاريخية لموسكو

في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني قام الرئيس بشار الأسد بزيارة دولة إلى روسيا مثّلت على حد وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حدثاً دولياً بارزاً.

والتقى الرئيس السوري بالإضافة إلى الرئيس بوتين مع كل من رئيس الوزراء الروسي ورئيس مجلس الاتحاد الروسي ورئيس مجلس الدوما “البرلمان” وعمدة موسكو، ورافق الرئيس السوري في زيارته كل من وزراء الخارجية والاقتصاد والمالية والنفط ووفد كبير من رجال الأعمال السوريين، وانعقد على هامش الزيارة منتدى اقتصادي طُرحت فيه تصورات أولية لمائة مشروع استثماري بتكلفة تزيد عن خمسمائة مليون دولار أمريكي، وعادت الزيارة بنتائج غير متوقعة على الصعيد الاقتصادي لصالح دمشق، حيث وُقع اتفاق بين وزيري مالية سوريا والاتحاد الروسي تم بمقتضاه شطب/ 9،8 مليار دولار، أي ما يشكل نسبة 73% من هذه الديون، وبذلك انخفضت ديون سوريا الخارجية إلى أقل من 10% من الناتج الإجمالي المحلي، وكانت سوريا قبل ذلك قد وصلت مقاصة لديونها مع كل من جمهوريات سلوفاكيا والتشيك وبولونيا، يضاف إلى ما سبق الدعم السياسي الذي قدمته موسكو لسوريا بتأكيدها أن أساس حل مشكلة الشرق الأوسط هو عودة “إسرائيل” إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو ،1967 والأرض مقابل السلام، واحترام قرارات الشرعية الدولية. كما تعهدت موسكو بتقديم إمدادات عسكرية إلى دمشق، وهذا ما اعتبره المراقبون السياسيون صفقة كاملة متكاملة بين دمشق وموسكو أملتها المصالح المشتركة.

سوريا تحاول التأسيس لعلاقة جديدة مع لبنان

في الأول من شباط/ فبراير 2005 قام وليد المعلم نائب وزير الخارجية السوري بزيارة إلى العاصمة اللبنانية بيروت التقى خلالها بالرئيس اللبناني إميل لحود ورئيس الوزراء عمر كرامي ورئيس مجلس النواب نبيه بري وعدد واسع من كبار المسؤولين اللبنانيين، وأقطاب المعارضة المسيحية.

اعتبرت الزيارة بنظر المراقبين السياسيين محاولة جادة من قبل دمشق لإعادةالعلاقات السورية اللبنانية وانتهاج أسلوب جديد في التعامل مع لبنان من خلال وضعها في إطار المؤسسات السياسية وتكليف وليد المعلم بهذا الملف بديلاً عن العميد رستم غزالة مدير جهاز الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان الذي خلف اللواء غازي كنعان.

لكن هذه الزيارة فشلت في وقف التدهور الحاد مع العديد من أقطاب المعارضة الرئيسيين في لبنان، ففي الثالث من شباط/ فبراير 2005 اتهم الزعيم اللبناني وليد جنبلاط حزب البعث اللبناني الموالي لسوريا بالوقوف خلف مقتل والده كمال جنبلاط في العام ،1977 وأدى ذلك إلى تصعيد الموقف بين القوى المتحالفة مع دمشق والقوى المعارضة لوجودها في لبنان، حيث أطلق رئيس الوزراء اللبناني عمر كرامي تهديده الشهير “تصعيد التوتر السياسي في لبنان يعود إلى أن المعارضة تجاوزت كل الحدود.... سيرون بأنفسهم ما سيحدث في اليومين القادمين”.

وفي الرابع عشر من شباط/ فبراير 2005 انفجار ضخم بسيارة مفخخة يودي بحياة رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري واثنين وعشرين من رفاقه ومن المواطنين اللبنانيين، جريمة الاغتيال زادت بشكل غير مسبوق من احتقان الأوضاع الداخلية اللبنانية، العديد من أقطاب المعارضة السياسية اللبنانية سارعوا بتوجيه أصابع الاتهام إلى سوريا والسلطة اللبنانية.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك طالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية وسارع كل من جنبلاط والجميل وعون إلى تأييد ذلك، بل وذهب جنبلاط إلى أكثر من ذلك حين طالب بوضع لبنان تحت الحماية الدولية لتخليصه من الوجود السوري المستمر منذ تسعة وعشرين عاماً. وتحول تشييع جثمان الرئيس الحريري وجثامين رفاقه إلى مسيرات غضب ضد سوريا وأعمال عنف وقتل استهدف العمال السوريين الذين تم سحق العديد منهم في شوارع بيروت وصيدا، وتوحدت المعارضة على مطلب خروج القوات السورية ونزلت به إلى الشارع وهو ما أدخل عملياً العلاقات السورية اللبنانية في طور جديد أطاح بكل مرتكزات العلاقة السابقة.

الأسد ينهي الوجودالعسكري السوري في لبنان

في السادس من آذار/ مارس 2005 أعلن الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب له أمام مجلس الشعب السوري بأن القوات السورية ستنسحب من لبنان قبل الانتخابات النيابية اللبنانية المقرر إجراؤها في الثلاثين من أيار/ مايو 2005.

واعتبر المحللون السياسيون أن الرئيس الأسد في خطابه هذا وقف نفس وقفة أبيه الراحل حافظ الأسد قبل ثلاثة عقود أمام مجلس الشعب حين أعلن دخول القوات السورية إلى لبنان لوقف الحرب الأهلية واستعادة لبنان عافيته.

وفي الثامن من آذار/ مارس 2005 نظم حزب الله اللبناني والأحزاب المتحالفة مع سوريا مسيرة مليونية تحت عنوان الوفاء لسوريا قابلها بعد عدة أيام في الرابع عشر من ذات الشهر مظاهرة توازيها عدداً نظمتها المعارضة اللبنانية المعادية للوجود السوري، واعتبر ذلك بمثابة استعراض للقوة بين القوى اللبنانية المتصارعة لرسم خارطة لبنان ما بعد إنهاء الوجود العسكري السوري.

وفي الخامس والعشرين من آذار/ مارس أصدرت لجنة تقصي الحقائق الدولية بقيادة بيتر فيتز جيرالد تقريرها، وأشارت فيه بوضوح بأصابع الاتهام إلى سوريا والسلطة اللبنانية، حيث اعتبرت أن جريمة اغتيال الحريري قد “حصلت في سياق سياسي وأمني تميز باستقطاب حاد حول النفوذ السوري في لبنان” واستنتجت اللجنة بأن “الأجهزة الأمنية اللبنانية والاستخبارات العسكرية السورية تتحمل المسؤولية الأولى لنقص الأمن والحماية والنظام في لبنان، وأن الأجهزة الأمنية اللبنانية أظهرت إهمالاً جدياً ومنظماً... وخلال قيامها بذلك ساهمت في انتشار ثقافة الترهيب والإفلات من العقاب، وتشارك في ذلك الاستخبارات العسكرية السورية في هذه المسؤولية من خلال تورطها في إدارة الأجهزة الأمنية اللبنانية”. دمشق اعتبرت أن التقرير مسيّس، أما المراقبون السياسيون فقد اعتبروا ذلك البداية الجدية لرحلة المتاعب السورية مع الأمم المتحدة.

وفي السابع من نيسان/ إبريل 2005 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار ،1595 وأنشأ بموجبه لجنة تحقيق دولية مستقلة بقيادة المحقق الألماني ديتليف ميليس، لتستكمل ما بدأته لجنة تقصي الحقائق الدولية بقيادة بيتر فيتز جيرالد.

وفي السادس والعشرين من نيسان/ إبريل 2005 غادر آخر جندي سوري لبنان، وأعلنت سوريا أنها قد نفذت كل ما هو ترتب عليها في القرار 1559.

وفي السادس من حزيران/ يونيو 2005 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بدء عمل لجنة التحقيق الدولية بقيادة ديتليف ميليس، وتم توسيع صلاحياتها لاحقاً من خلال مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الحكومة اللبنانية في الثالث عشر من تموز/ يوليو 2005.

البعث يعقد مؤتمره القطري العاشر

وفي السادس من حزيران/ يونيو 2005 عقد حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سوريا مؤتمره القطري العاشر وسط ظروف داخلية وخارجية شديدة التعقيد.

المؤتمر أقر خطاً هاماً بانتهاج سياسة انفتاح على الداخل السوري تزيد من المشاركة الشعبية وتخفف من القيود التي حكمت البنية الداخلية للمؤسسات الدستورية والحكومة السورية، وأوصى بإصدار قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية، وبنتيجة المؤتمر أنتجت قيادة جديدة خرج من صفوفها العديد من القيادات التاريخية في الحزب والدولة أهمها نائبا الرئيس السوري السيدان عبد الحليم خدام ومحمد زهير مشارقة ووزير الدفاع السابق العماد مصطفى طلاس. وتبع هذا المؤتمر وبدعوة من الحكومة السورية وصول المحقق الدولي ديتليف ميليس إلى دمشق في الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر الماضي وقام بإجراء لقاءات مع بعض الشهود السوريين في مجمع المونتي روزا السياحي الواقع في سهل الزبداني.

وفي الثامن من آب/ أغسطس 2005 قام الرئيس السوري بزيارة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية التقى خلالها بالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وهنأه بمنصبه وتم فيها تبادل الآراء حول العلاقات الثنائية وسبل تدعيمها وتنسيق المواقف في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وسائل الإعلام أبرزت أهمية هذه الزيارة التي كانت الأولى لرئيس دولة أجنبية بعد انتخاب الرئيس الإيراني نجاد.

انتحار الوزير غازي كنعان

في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أعلنت السلطات السورية بأن وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان قد قضى منتحراً، ويعتبر الوزير المنتحر من أهم ضباط الأمن السوريين وأكثرهم خبرة في العديد من الملفات الإقليمية وأهمها الملفان اللبناني والفلسطيني والملف التركي والملف العراقي.

وتولى كنعان مسؤولية جهاز المخابرات العسكرية في لبنان منذ العام 1982 حتى العام 2002 حيث أنهيت مهماته في رئاسة هذا الجهاز ليتسلم مهمة رئاسة جهاز الأمن السياسي في سوريا قبل أن يتولى حقيبة وزارة الداخلية في حكومة المهندس محمد ناجي العطري. انتحار كنعان ترك أسئلة دون إجابات خاصةً أن اسمه تردد كثيراً في تحقيقات لجنة ميليس وغاب تماماً عن تقريرها الذي صدر في الحادي والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2005.

وفي الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول أصدر المحقق الدولي تقريره وسلمه للأمين العام للأمم المتحدة، التقرير سبقته مشاورات ومباحثات مكثفة بين العديد من الأطراف الدولية بما في ذلك الأمانة العامة للأمم المتحدة، أبرزها اللقاء الذي عقدته وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مع الأمين العام للأمم المتحدة قبل يوم واحد من صدور التقرير الذي أقر واضعه بأنه أجرى عليه عدة تعديلات آخرها قبل نصف ساعة من صدوره، ووجه ميليس في تقريره اتهامات مباشرة بضلوع مسؤولين أمنيين سوريين بالتورط في اغتيال الحريري واتهام سوريا بعدم التعاون مع اللجنة الدولية. وبناء على معطيات ميليس في تقريره أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1636 وذلك في الحادي والثلاثين من يونيو/ حزيران ،2005 القرار طلب من سوريا التعاون غير المشروط مع لجنة ميليس.

الأسد يعلن المواجهة

في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر ألقى الرئيس الأسد خطاباً شاملاً على مدرج جامعة دمشق حدد فيه السياسة الخارجية السورية وعبر فيه عن خيبة أمله في القرار 1636 وأبدى استعداد سوريا للمواجهة.

وقُرئ في الخطاب على الصعيد الداخلي بأنه لم يتطرق إلى مجموعة القضايا الداخلية في منظور حلها، وحدد خطاب الأسد ثلاث نقاط أساسية فدمشق تدرك بأن لائحة المطالب الأمريكية لن تتوقف وشراهة واشنطن غير محدودة والهجمة الأمريكية تهدف إلى فرض سايكس بيكو جديد على المنطقة لجعلها تنصاع لاملاءات السياسة الأمريكية، ولم يستبعد الأسد في خطابه حصاراً أمريكياً بغطاء من الأمم المتحدة ربما يستمر لسنتين.

الخامس والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2005 وبعد مفاوضات ماراثونية بين الدكتور رياض الداوودي المستشار القانوني لوزارة الخارجية السورية، والسيد ديتليف ميليس، أعلن السيدان وليد المعلم نائب وزير الخارجية السوري والدكتور الداوودي عن موافقة سوريا على أن يتم استجواب الشهود السوريين في مقر الأمم المتحدة بالعاصمة النمساوية فيينا، وجاء هذا القرار بعد يوم واحد من إعلان وزير الخارجية السوري السيد فاروق الشرع بأن المفاوضات مع ميليس وصلت إلى طريق مسدود، وبأن الأخير يرفض التعاون، وبأن سوريا إذا ما فُرضت عليها المعركة ستدافع عن نفسها، الموقف السوري جاء قبل ساعات من انتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن لتعاون سوريا مع لجنة ميليس.