الخليج

العراق حبيس الاحتلال ودوامة الدم والصراعات الداخلية

شهد الوضع الأمني والسياسي في العراق خلال عام 2005 تطورات بارزة ومهمة، حيث بقي الشأن العراقي حديث وسائل الصحافة والإعلام، فضلاً عن اهتمام ومتابعة الدول والمنظمات الدولية والعربية.

وقد شهد العام 2005 العديد من الأمور التي لا يمكن تجاهلها أو المرور عليها مرور الكرام ولعل من أبرزها إجراء الانتخابات البرلمانية في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني، حيث استطاع العراقيون أن يخاطروا بأنفسهم وبحياتهم من اجل التخلص من مرحلة خطيرة، وحالهم يقول لعل في المراحل الأخرى خلاصاً من المأزق الذي نحن فيه، وقد شارك في هذه الانتخابات ما يقارب الثمانية ملايين ونصف المليون ناخب، في حين لم يتمكن سكان المناطق الغربية في العراق من المشاركة في الانتخابات المذكورة نتيجة الاضطرابات الأمنية التي تشهدها مدنها ولاسيما محافظة الأنبار فضلاً عن دعوة الهيئات الدينية وبعض الأحزاب السياسية لمقاطعة الانتخابات، الأمر الذي جعل الجمعية الوطنية العراقية غير متوازنة ما جعل قراراتها لا تحظى بالقبول التام، لكن هذه الانتخابات التي نجحت باعتراف المجتمع الدولي وتشكيك بعض الجهات فيها استطاعت أن تؤدي إلى حصول اعتراف كامل من قبل الهيئات الدولية والعربية بالعملية السياسية الجارية الآن في العراق.

ومن أبرز الأحداث الأخرى التي شهدها العراق في العام الحالي كان حدث كتابة الدستور، حيث شكلت لجنة خاصة من أعضاء الجمعية الوطنية وبعض المستشارين لكتابته وقد سمحت الجمعية الوطنية للجهات المغيبة في المشاركة مع اللجنة المذكورة وتم اختيار “25” شخصاً منهم “15” كأعضاء في اللجنة والعشرة الآخرون كمستشارين، وقد شهدت مداولات وجلسات كتابة الدستور العديد من الخلافات كان أبرزها حول الفيدرالية واجتثاث البعث وعروبة العراق. وكانت مبادرة الجامعة العربية بعقد مؤتمر وفاق بين العراقيين من ابرز أحداث العام الحالي التي تخص الشأن العراقي. حيث زار العراق وفد من الجامعة العربية برئاسة احمد بن حلي من اجل التفاوض مع العراقيين لعقد المؤتمر، تلته زيارة أخرى للامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، حيث أفلحت هذه الزيارة في تقريب وجهات النظر بين العراقيين وتكللت بعقد مؤتمر الوفاق الوطني في القاهرة للمدة من 1921 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وقد أسفر المؤتمر عن التوصل إلى تشكيل ثلاث لجان للتحضير إلى المؤتمر الذي سينعقد في بغداد في نهاية شهر فبراير/ شباط المقبل أو مارس/ آذار. ويعول الكثير من العراقيين على نجاح هذا المؤتمر الذي سيساهم في تخليص العراق من الأوضاع المضطربة التي عاشها منذ دخول قوات الاحتلال وحتى الآن.

كما شهد العام الحالي مثول الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين أمام محكمة خاصة، حيث عقدت ثلاث جلسات للنظر في قضية الدجيل التي راح ضحيتها 148 مواطناً بعد تعرض موكب صدام إلى إطلاق نار في ناحية الدجيل التابعة إلى محافظة صلاح الدين مسقط رأس صدام.

عام دموي

الأحداث الأمنية في العراق خلال العام 2005 كانت مؤلمة جداً وقاسية على العراقيين حيث قتل الآف العراقيين بالسيارات المفخخة والأحزمة والعبوات الناسفة، فضلاً عن قيام قوات الاحتلال بقصف العديد من المدن التي يتواجد فيها المسلحون حيث أدى هذا القصف إلى قتل الآلاف وتشريد مئات العائلات التي عانت كثيراً من الظروف الصعبة، إذ تركت في العراء من دون مأوى. ومن بين ابرز المدن التي تعرضت لضربات أمريكية عراقية القائم والكرابلة وحصيبة وهيت وعانة والعبيدي والرمادي وكل هذه المدن تابعة لمحافظة الأنبار التي تقع على الحدود العراقية السورية الأردنية. كما تعرضت مدينة تل عفر في الموصل إلى عمليات مشابهة.

ومن أبرز الأحداث التي جرت في العام 2005 خطف واغتيال العديد من ممثلي البعثات العربية والدولية، حيث قتل القنصل المصري في بغداد ايهاب الشريف وكذلك عضوان في السفارة الجزائرية فضلاً عن أحد العاملين في السفارة السودانية في بغداد، بينما اختطف اثنان من العاملين في السفارة المغربية في بغداد. كما تعرض للاختطاف أربعة أجانب من العاملين في إحدى المنظمات الإنسانية في العراق منهم اثنان كنديان وأمريكي وبريطاني، وتمكنت القوات العراقية من تخليص أحد رجال الأعمال الأستراليين من خاطفيه في بغداد. وقتل ثلاثة من أعضاء الجمعية الوطنية العراقية في حوادث متفرقة في بغداد خلال العام الحالي.

وكانت أكثر الأحداث مأساوية في العام الحالي حادثة جسر الأئمة في بغداد والتي راح ضحيتها أكثر من ألف شخص، حيث حصل تدافع بين الزائرين الذين كانوا يريدون التوجه إلى مرقد الإمام موسى الكاظم “رضي الله عنه” بمناسبة ذكرى وفاته ما أدى إلى موت بعضهم نتيجة الاختناق أو السقوط تحت أقدام الزائرين أو في نهر دجلة. وقد أكد هذا الحادث التلاحم الكبير بين العراقيين سنة وشيعة، حيث قام أحد أبناء الأعظمية وهي منطقة ذات غالبية سنية واسمه عثمان العبيدي بإنقاذ سبعة أشخاص من الغرق، وعندما حاول إنقاذ شخص آخر تعرض هو للغرق ليفارق الحياة. ومن الحوادث الأخرى، التفجير الذي حصل في محافظة الحلة وأدى إلى مقتل أكثر من 159 شخصاً وتفجيرات النهضة وبغداد الجديدة والأمين والصويرة والبصرة وطوز خورماتو والسليمانية وخانقين التي أودت بحياة مئات من العراقيين الأبرياء. وشهدت محافظة السماوة وديالى والنجف والرمادي والصدر والمدائن واللطيفية والمحمودية والدورة في بغداد اضطرابات أمنية. وتعرضت دوريات الاحتلال والشرطة والجيش العراقيين إلى العديد من الهجمات في مختلف مدن العراق، كما تعرضت المساجد والحسينيات والكنائس إلى هجمات مماثلة.

وشهد العام 2005 العديد من حالات اغتيال أساتذة الجامعات وضباط الجيش العراقي السابق، الأمر الذي جعل البلد يخسر الكثير من الطاقات الكفوءة والمتميزة، كما تمت تصفية العديد من البعثيين الذين كانوا يعملون في حزب البعث المنحل. وتعرض بعض المحامين الذين تولوا الدفاع عن رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين إلى الاغتيال، حيث قتل اثنان منهم وجرح ثالث الأمر الذي دعا بقية المحامين إلى المطالبة بنقل المحاكمة إلى خارج العراق وهذا ما رفضته الحكومة العراقية.

وبرغم كل ما حصل من أحداث فان العراقيين تمكنوا ونتيجة لترابطهم وتماسكهم من وأد محاولات إثارة الحرب الأهلية، ليبعثوا برسالة واضحة جداً للمحتلين ولغيرهم إن وحدتهم لا يمكن أن تفككها بعض محاولات المغرضين.

تشكيل إقليم كردستان

سياسياً، شهد العام الحالي إقرار الفيدرالية لإقليم كردستان الذي كان ومنذ عام 1991 أمراً واقعاً، وهذا الأمر الواقع كان نتيجة لأحداث عام 1991 التي شهدت الانتفاضة الشعبية ضد حكم صدام حيث استطاعت دول العالم والدول الأوربية بالذات التدخل ومنع النظام من الامتداد إلى المحافظات الكردية الثلاث وبقيت هذه المحافظات الكردية أمرا واقعاً تبني مؤسساتها وتقوم بممارسة صلاحياتها الإدارية وكذلك الاقتصادية والثقافية، بعد إقرار الدستور والإعلان عن ان العراق دولة فيدرالية اتحادية أعلن إقليم كردستان رسمياً.

الخلاف بين الجعفري والطالباني

ومن الأمور التي لابد من التوقف عندها في العام2005 الخلاف الذي نشب بين رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس الحكومة إبراهيم الجعفري، كان هذا الخلاف أمراً طبيعياً في ظل دولة ديمقراطية. هذا الخلاف يمثل أولى ثمرات الديمقراطية والشفافية.

ومن الأحداث المهمة الأخرى الخلاف بين منظمة بدر وهيئة علماء المسلمين والتي كادت تعكر صفو العلاقة بين الطرفين، هذه الخلافات جاءت نتيجة اتهامات من هيئة علماء المسلمين لا تستند إلى أدلة ملموسة وإنما مجرد اتهامات ضد منظمة بدر، حيث أعلنت منظمة بدر صراحة انها مستعدة للحوار مع هيئة علماء المسلمين ومع أي طرف آخر لديه أدلة أو لديه أرقام تؤكد أن منظمة بدر تقوم بأعمال منافية للقانون.

ولم يقتصر الخلاف بين منظمة بدر وهيئة علماء المسلمين بل امتد إلى خلاف بين التيار الصدري ومنظمة بدر، وذلك على خلفية ما حصل في مدينة النجف، إثر اشتباك بين الطرفين سرعان ما تم تطويقه حيث أعلن مقتدى الصدر أن هذه الأعمال ينبغي أن تتوقف وبالتالي العلاقة بين الطرفين علاقة جيدة، علماً بأن التيار الصدري ومنظمة بدر هما طرفان أساسيان في الائتلاف العراقي الموحد سابقاً وحالياً. ومن المسائل التي أثارت انتقادات عديدة انكشاف عمليات التعذيب في السجون الخاضعة لوزارة الداخلية وخصوصاً في سجن الجادرية، حيث تبين أن مسؤولي السجن يمارسون انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان على غرار ما جرى في سجن أبوغريب على يد قوات الاحتلال الأمريكي.