الشرق الأوسط

هل التحول في شارون نفسه، أم أنه تعبير عن التغيير في المجتمع الإسرائيلي

عام 2005 سيسجل في التاريخ الإسرائيلي كعلامة النهاية لنظرية «أرض اسرائيل الكبرى»، تلك النظرية التوسعية التي نقشت على علم الحركة الصهيونية اليمينية، خلال ما يزيد عن مائة عام، ومن وحيها تمت احدى أكبر عمليات الاستيطان في التاريخ الحديث، وأعلنت الحروب وما توقفت حتى الآن. فالمخطط الذي وضعه ونفذه رئيس الوزراء، أرييل شارون، ورغم أهدافه السياسية التكتيكية وأهمها التهرب من مستلزمات خطة «خريطة الطريق» الأميركية للتسوية النهائية للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، كان بمثابة كسر تاريخي في أيديولوجية القضاء على القضية الفلسطينية كقضية شعب يستحق الحرية والاستقلال وكسر لا يقل أهمية للفكر التوسعي لاحتكار فلسطين. فكما هو معروف، فإن مشروع شارون هذا وضع لأول مرة في 2004. وسمي «خطة الفصل» التي تعني الانفصال التام بين اسرائيل وقطاع غزة في البداية على ان يتبعها انفصال آخر مبني على أسس مختلفة في الضفة الغربية. الإجراء الأساسي فيه هو الانسحاب من قطاع غزة واخلاء مستوطناته. وفي نصه الأصلي تحدث عن ازالة 12 مستوطنة اخرى في شمال الضفة، لكن شارون تراجع عن هذا الجزء فيه أمام ضغط عدد من وزرائه من حزب الليكود واكتفى بإزالة 4 فقط. وكان هدفه واضحا للغاية: تأجيل تنفيذ «خريطة الطريق»، التي تتحدث عن مبدأ ازالة الاحتلال للأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 مع اجراء تعديلات حدودية واقامة دولة فلسطينية مستقلة في تلك الأراضي. واحتوى مشروع شارون على بنود أخرى مقابل تطبيق «خطة الفصل»، هدفها التخفيف من معارضة اليمين الإسرائيلي من جهة وكسب نقاط في الساحة الدولية لصالح سياسته الاستيطانية من جهة أخرى. فأرفق خطته للانسحاب من غزة بمشروع لتعزيز الاستيطان اليهودي في الكتل الاستيطانية القائمة في بعض المناطق في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس واقامة مشروع استيطاني تهويدي في منطقتي الجليل والنقب داخل اسرائيل. وقرر ان ينفذ هذه الخطة بشكل أحادي الجانب، أي من دون اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وقد تذرع بداية بحجة «عدم وجود شريك سلمي في الطرف الفلسطيني»، ولاقت هذه الحجة تفهما كبيرا من الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية الأخرى، وذلك لأن الدعاية الاسرائيلية ـ الأميركية نجحت في زعزعة مكانة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. ولكن، عندما توفي عرفات كان من المفروض أن تسقط هذه الحجة أيضا. إلا ان حكومة اسرائيل استمرت في شطب الطرف الفلسطيني، حتى بعد انتخاب الرئيس محمود عباس (أبو مازن). بل انها بدأت في حملة تحريض ضد أبو مازن حال انتخابه، فادعت انه لم يفعل شيئا لمكافحة الارهاب وحملته المسؤولية حتى عن عمليات تفجير نفذها شبان خرجوا من بلدات تسيطر عليها اسرائيل بالكامل.

ومع ذلك، ورغم قسوة ما ترافق مع خطة شارون من برامج ومخططات سلبية، فإن من يقرأ الخريطة السياسية للحركة الصهيونية وتطورها في اسرائيل، يدرك ان هذه الخطة تعتبر محطة مفصلية ليس فقط بالنسبة لأحداث عام 2005 وحسب، بل انها أحدثت انعطافا في مجمل الصراع الاسرائيلي ـ العربي، على الصعيد الاسرائيلي. ويعود ذلك الى عدة أسباب تتعلق بأحداث هذا العام، وما تحمله من اشارات للأعوام المقبلة:

أولا: ان هذه الخطة نفذت بالفعل، ولم تبق حبرا على ورق كما اعتقد كثيرون في اسرائيل والعالم العربي، بل وفي العالم بأسره. فقد شكك معظم السياسيين والمعلقين بجدية وبصدق شارون في تطبيق الخطة. والآن، وبعد أربعة أشهر من تطبيق الخطة، أصبح واضحا انها واقع ملموس. فقد انسحب الجيش الاسرائيلي من قطاع غزة وأخلى المستوطنين رغما عنهم وهدم بنفسه هذه المستوطنات.

وفي هذا أكثر من اشارة على التغيير الذي تشهده اسرائيل في هذه المرحلة من تاريخها. فالمسألة ليست اجرائية وحسب. إذ ان شارون نفسه كان قد أعلن قبل أقل من سنة أنه يعتبر مستوطنة «نتساريم» في قطاع غزة، مثل تل أبيب، لا يمكن التفريط فيها. وازالة المستوطنات، اعتبر في اسرائيل جريمة وخيانة. لكن المواطنين الإسرائيليين بغالبيتهم 71 في المائة وافقوا على الخطة ودعموا رئيس حكومتهم بها. بل ان شعبية شارون، وبفضل هذه الخطة، وصلت الى رقم قياسي لم يصل اليه أي رئيس حكومة في تاريخ اسرائيل. لقد كان هناك دافعان أساسيان وراء ايفاء شارون بهذا الالتزام في تطبيق الخطة والامتناع عن خداع العالم بابقائها حبرا على ورق: الدافع الأول يكمن في ذلك الدعم الجماهيري الواسع الذي يدل على أن التغيير ليس مجرد تكتيك اسرائيلي، وانه ينبع من التغيير المتغلغل في نفوس الاسرائيليين، شعبا وحكاما. والدافع الثاني يكمن في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. فقد التزم شارون أمام الرئيس الأميركي، جورج بوش، بتطبيق الخطة. مما يؤكد ان التأثير الأميركي بات حاسما في السياسة الاسرائيلية. ثانيا: أهم ما في هذه الخطة وتطبيقها، يكمن في شخص شارون نفسه. فهو ليس مجرد رئيس حكومة قوي في اسرائيل. انه، شخصيا، الرجل الذي قاد اليمين واليمين المتطرف الى الحكم. في سنة 1974 بادر الى خلع البزة العسكرية والانتقال للعمل السياسي وهدفه اطاحة حكم حزب العمل، الذي كان يمثل الوسط الليبرالي. وقبل انتقاله للسياسة، كان قد أثار مخاوف العديد من السياسيين بتنفيذ انقلاب عسكري على السلطة. وقام شارون يومها بتوحيد قوى اليمين الاسرائيلي المشتت في خمسة أحزاب وجمعها في حزب واحد هو حزب الليكود. وعندما انتصر الليكود وتسلم الحكم لأول مرة (1977)، تولى شارون قيادة أكبر مشاريع الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة، بغية فرض أمر واقع يمنع امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة فيها. ثم قاد اسرائيل الى حرب لبنان، بهدف تصفية منظمة التحرير الفلسطينية ومن خلالها تصفية القضية الفلسطينية واسقاطها عن الأجندة الدولية تماما. وأرفق ذلك بتنظيم حملة اغتيالات واسعة في صفوف القادة الفلسطينيين البارزين في المقاومة. هذا الرجل نفسه، هو الذي قاد اسرائيل الى الانسحاب من غزة وازالة المستوطنات فيها وتبني فكرة اقامة الدولة الفلسطينية (رغم ان الدولة التي يريدها هي ليست الدولة التي يطمح اليها الفلسطينيون). ثالثا: شارون أدرك ان آثار الثقافة الاستيطانية الحربية التوسعية التي حفرها في الذهنية الاسرائيلية، لا تزول بسهولة خصوصا من ذهنية التيار اليميني الذي أحبه ورعاه في الحركة الصهيونية. فقرر تحطيم حزب الليكود الذي أسسه بنفسه. وأقام له حزبا جديدا يخوض به الانتخابات القادمة. وتتنبأ الاستطلاعات له أن يصبح الحزب الأكبر في اسرائيل. وبهذه الخطوة، يعيد شارون اسرائيل الى المقاسات القديمة، التي كانت بها في سنوات ما قبل حرب 1967 والاحتلال الكبير الذي انتهت اليه. فالاتجاه هو: اعادة سيطرة التيار الوسطي المركزي على الحكم في اسرائيل، واعادة تياري اليمين الراديكالي واليسار الراديكالي الى هامش الحياة الحزبية فيها. وهذه الخطوة لا تقتصر على تفكير شارون وحده، بل هي نهج جديد في المجتمع الاسرائيلي. فقد انضم اليه عدد من قادة حزب العمل، في مقدمتهم الزعيم التاريخي لهذا الحزب، شيمعون بيريس، ومؤسس حزبي شنوي الوسطي، جدعون رايخمن. كما ان رئيس الليكود الجديد، بنيامين نتنياهو، سارع بعد انتخابه الى اعلان عدة خطوات تهدف الى ابعاد الليكود عن طابع الحزب اليميني المتطرف. فقرر طرد موشيه فايغلين، الذي حظي بتأييد 15 في المائة من أعضاء الحزب، كونه يمثل اليمين المتطرف والمستوطنين. وبدأ يعد برنامجا سياسيا «معتدلا»، يلائم المرحلة ويزيل الانطباع بأنه حزب متطرف.

السؤال هو: الى أي مدى يمكن اعتبار هذا التغيير في اسرائيل ـ 2005، عميقا ويتغلغل في صفوف الجماهير ومراكز القوى الاسرائيلية المتعددة (الجيش والمخابرات والقيادة الاقتصادية واجهزة البحوث الأكاديمية)، وهل هناك ما يضمن أن يكون لهذا التغيير استمرار حقيقي ثابت، أم انه قابل لتغييرات أخرى في الاتجاه المعاكس؟

في الواقع ان هناك أكثر من اشارة تدل على ان التغيير عميق ويتغلغل في صفوف الناس وحتى في صفوف مراكز القوى أو بعضها. وإذا كان هناك شك في طرف ما من أطراف هذه المعادلة، فإن شارون نفسه هو الذي يقع في خانة الشك أكثر من غيره. فالجمهور الاسرائيلي أثبت انه أكثر اعتدالا من قادته. كل استطلاعات الرأي التي تنشر في وسائل الاعلام من دون استثناء، تدل على ان 57 ـ 61 في المائة من الجمهور يؤيد اقامة سلام عادل مع الفلسطينيين على أساس مشروع الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون (الذي تحدث عن دولتين للشعبين في حدود 1967 مع تعديلات طفيفة، بحيث تكون القدس مفتوحة وتشكل عاصمتين، الغربية عاصمة اسرائيل والشرقية عاصمة فلسطين وبحيث يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بالتعويضات أو بالعودة الى مناطق الدولة الفلسطينية بالأساس وعودة بضعة ألوف الى تخوم اسرائيل). وعندما تم فصل قضية القدس عن تلك الخطة هبطت نسبة المؤيدين لتقسيم القدس بين اسرائيل وفلسطين الى 27 %، ولكن عندما طرح الموضوع مرة أخرى لاستطلاع رأي نشرته «يديعوت أحونوت» في أواسط الشهر الماضي، قال 49 % انهم يؤيدون التنازل الاسرائيلي عن القدس الشرقية. لكن أبرز أحداث العام 2005 في اسرائيل، التي دلت على عمق هذا التغيير، انعكست في انتخاب عمير بيرتس زعيما لحزب العمل وهزيمة شيمعون بيريس أمامه في تلك المعركة. فالزعيم الجديد وضع أجندة مختلفة للحلبة السياسية الاسرائيلية، هي الأجندة الاقتصادية الاجتماعية. فقد تناول حالة التدهور الاقتصادي والضائقة الاجتماعية، التي يعاني منها ما لا يقل عن مليوني اسرائيلي (حوالي ثلث السكان)، وقال: مشكلتنا تكمن في الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية. وأوضح بيرتس فكره الجديد الصريح وقال: اسرائيل محكومة بسلطة جنرالات عسكريين. هؤلاء يخيفوننا باستمرار من العرب عموما ومن الفلسطينيين بشكل خاص. يضطروننا الى صرف معظم الموازنة على الحرب والاحتلال. وقد آن الأوان لأن يزاح هؤلاء عن سدة الحكم لنحكم نحن، جنرالات المجتمع المدني الذين يحملون في صدورهم قلوبا رحيمة. فنحن سنصنع السلام الدائم مع العرب. ولا حاجة لأن يخيفونا بعد. السلام هو الضمان لتغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. بهذا الطرح أعاد بيرتس الى حزب العمل ألوف المصوتين. وبعد ان كانت الاستطلاعات تتنبأ له الانهيار في الانتخابات المقبلة، أخذت تشير الى احتمال ارتفاع عدد مقاعده الى 28 مقعدا (في الانتخابات الأخيرة حصل العمل على 19 مقعدا). وبدأ ينضم الى هذا الحزب مواطنون من اليهود الشرقيين الذين كانوا يكرهون حزب العمل ويناصبونه العداء.

وكان قد نشر استطلاع رأي في اسرائيل أخيرا، تبين منه ان الجمهور يضع قضية الفقر في رأس سلم اهتمامه وقلقه، إذ قال 29% ان الوضع الاقتصادي هو أكثر ما يقلقهم. ووضعوا التعليم في الدرجة الثانية فقال 21% انهم قلقون من تدهور أوضاع التعليم. وأما الموضوع الأمني، الذي يضعه قادة اسرائيل في رأس السلم، فقد وضعه الجمهور في المرتبة الثالثة، فقال 15% فقط من الجمهور انه يقلقهم أكثر من أي شيء آخر. ومن اللافت للنظر ان ممثلين لعدة مراكز قوى اسرائيلية تقليدية انضموا الى عمير بيرتس في هذه المسيرة، مثل: رئيس المخابرات العامة الأسبق، عامي أيلون، وقائد شرطة القدس الذي كان مرشحا لمنصب المفتش العام، أريه عميت، وأحد كبار الباحثين الاقتصاديين، البروفسور ابرهام برافرمن، وعدد من كبار رجال الأعمال. كلهم طرحوا الموقف نفسه الذي يرى ان على اسرائيل ان تغير سلم أفضلياتها وتضع مسألة السلام في رأس الاهتمام، لكي تحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية. من هنا، فإن أسس التغيير في اسرائيل قائمة. ويبقى السؤال إذا كان السياسيون الذين سينتخبون الى رئاسة الحكومة والوزارات والكنيست، سيظلون مخلصين لنهج التغيير. وكيف سيتعاطى معهم العالم، خصوصا الولايات المتحدة. واي تأثير سيكون للعرب على هذا التغيير. إذ ان الخطاب العربي عموما والفلسطيني بشكل خاص، له أثره الملموس على المجتمع الاسرائيلي.