أريد فهم مقابلة عبد الحليم خدام باستحضار قوي للذاكرة والخيال، وبالخروج من إيقاع الصورة النمطية المرسومة اليوم على مسار التحقيق الدولي الذي يقدم لنا مفاجآت على سياق الشهود المشاركين بوليمة "اغتصاب" جماعية.

منذ عام كامل ونحن نشهد "ثورة الموقف" وبطريقة تترك ذاكرة المجتمع في فوضى .. هي على سياق الفوضى البناءة التي تضع نتيجة واحدة" "الشك بالمستقبل". وتسعى لاغتيال "خيالنا" في رسم عالما خال من "الشهود" الافتراضيين، والساسة المتحولين على شاكلة الحدث المتقلب.

ما قاله النائب السابق للرئيس السوري يحمل سعيا لاغتيال "المكتوم" أو فرض النسيان على سياق سياسي كامل عايشه السوريون، وهذا "المكتوم" يفترض أن يوضع في سياقه الطبيعي – التاريخي بدلا من قتل الذاكرة والخيال لرسم براءة افتراضية. لأن المسألة ليست إدانة أو تبرير، فعندما نتحدث عن المستقبل فإننا نريد معرفة ما يمكن فعله، وليس ما فاتنا عمله في السابق. وما قاله النائب السابق للرئيس السوري، مع كافة الإشارات التي تؤدي لإدانة سورية، هو دفن للتاريخ السياسي بدلا من التعامل معه من جديد، لأن محاسبة التاريخ شأن اجتماعي لا يقوم به شخص أو مجموعة أفراد، وهو ليس شأنا مرتبطا بـ"كتابة مذكرات" بل بالحراك الثقافي والسياسي القادر وحده على تشكيل الذاكرة بحيث يصبح تاريخ "تاريخا" وليس واقعة نعيشها في كل لحظة أو موقف سياسي.

لن نسأل عن التوقيت، او "حرب الشهود" التي تخاض اليوم إقليميا، لأن المجتمع السوري لا تنقصه مساحات قلق جديدة، فما صرح به النائب السابق لرئيس الجمهورية السوري هو بالفعل "انشقاق"، لكنه انشقاق عن الإبداع السياسي، وانفصال عن الذاكرة ... بحيث يبقى "التاريخ" السياسي أسير "الواقعة" التي "تنقل بالتواتر" مثل المرويات التراثية، بدلا من ان تكون مجالا بحثيا كاملا ومساحة حرية للثقافة الاجتماعية.

كلما زاد عدد شهود "المرحلة" تتطور الخطر على سورية بأكملها، وليس على النظام السياسي أو السلطة السياسية، لأن شهود المرحلة يتحدثون من على المنبر الإعلامي بكل ما يحويه من مفاجأة وخطف للأبصار، فتسقط الذاكرة التي ستشكل رؤيتنا المستقبلية، ونستحضر صور "الإبهار" الإعلامي فقط. وعندما يصبح الشهود بحجم سياسي متراخ على امتداد 35 عاما فعلينا بالفعل النظر مجددا لما يمكن أن نقوم به، لأن الخطر الآن كما في السابق، هو بنيتنا وثقافتنا الاجتماعية الغارقة في المرويات التاريخية، وكأنها ثرثرة بلا عواقب.

وربما على عكس ما يتوقعه الكثيرون، فإن تصريحات السيد خدام كانت تغلق الأسئلة بدلا من ان تفتحها ... فأغلقت الأسئلة المنهجية حول المسار السياسي لسورية لنصف قرن، وانهتها باختصار شديد بإدانات سريعة ... وأغلقت الأسئلة حول التطور التاريخي للدولة السورية، ثم حاسبتها عن أعوام قليلة فقط ...

والمقابلة ليس موضوعها اغتيال الرئيس الحريري أو تصفية حسابات سياسية ... إنها مع نهاية العام تصفية حساب مع العقل الاجتماعي لحصر ثقافته ضمن الإبهار ... إبهار اللحظة و "المروية" التي تصنف حسب علوم التراث بـ"حديث ضعيف الإسناد".