إيلاف / سليمان يوسف يوسف

ثمة جدل واسع يدور هذه الأيام حول (المشهد السياسي السوري)،سلطة ومعارضة ومجتمع مدني،حيث تتشابك عناصره وتتداخل في حركة ضبابية متموجة، غير محددة الاتجاه والأهداف،في ظروف وأوضاع، محلية وإقليمية ودولية، صعبة ومقلقة،ليبدو هذا (المشهد السوري)،وكأنه قدر تاريخي أو حلقة فيمع مسلسل طويل ومخيف اعد لمنطقتنا المبتلية بكل أشكال العنف والإرهاب والبؤس والاستبداد.هذه الأوضاع القاتمة،دفعت غالبية تيارات (المعارضة السورية) للالتقاء والحوار فيما بينها حول المستقبل السياسي للبلاد أثمرت،في السادس عشر من تشرين الأول الماضي، عن إصدار وثيقة سياسية ( اعلان دمشق) أكد الموقعون عليها على أنهم سيعملون ((من أجل إنهاء مرحلة الاستبداد والاستعداد لتقديم التضحيات الضرورية من أجل ذلك..))،وقد سارعت العديد من الشخصيات الوطنية و أحزاب (المعارضة السورية) في الخارج،مثل حزب (الإصلاح) وجماعة (الأخوان المسلمين) الانضمام الى هذا الإعلان.وبعدها بأيام طالب (رياض الترك)- وهو من ابرز شخصيات المعارضة، وعبر( فضائية الديمقراطية)- الرئيس (بشار الأسد) ومجلس وزرائه بتقديم استقالاتهم الى مجلس الشعب.هذا التحول في موقف (المعارضة السورية)، وانتقالها من نهج (الإصلاح) الى نهج (التغيير)، ترك تساؤلات عديدة:حول قدرة هذه المعارضة على التحرك وترجمة ما جاء في (اعلان دمشق)الى فعل سياسي ينهي احتكار (البعث) للسلطة ويحقق حلمها الديمقراطي الذي دفعت ثمنه الكثير في السجون والمعتقلات السورية وفي المنافي.إذ لم يعد يخفى على أحد الضعف والانحسار التنظيمي لمعظم قوى وأحزاب (المعارضة السورية) وافتقارها الى القاعدة الشعبية والزخم الجماهيري في الشارع السوري الصامت والمصاب بـ(عقدة الخوف من السياسية) بعد عقود طويلة من عسف السلطة وقمعها لكل نشاط سياسي وفكري وحقوقي معارض.ويبدو أن هذا التصعيد السياسي من قبل المعارضة السورية يعكس، بشكل أو بآخر، مدى الإحباط واليأس الذي أصابها بعد خمس سنوات من وعود النظام بالإصلاح السياسي والاقتصادي والانفتاح الديمقراطي. وخطوة المعارضة هذه ليست أكثر من محاولة يائسة منها للإفادة من الظروف الإقليمية والدولية الاستثنائية الضاغطة على النظام،الذي ما زال قوياً أو أنه أقوى الضعفاء بحسب تعبير الكاتب(شعبان عبود).لكن الرئيس (بشار الأسد) لم يتأخر كثيراً بالرد على جماعة (اعلان دمشق) وعلى القوى الدولية الضاغطة.فقد ألقى خطاباً،في العاشر من تشرين الثاني الماضي،حذر فيه (المعارضة السورية) من محاولة الدخول على خط أزمته الراهنة مع القوى الدولية المعنية بالملف اللبناني، ومن التحرك بالتوازي مع الضغوط الخارجية، قال الأسد:(( ما لم يأخذوه بالضغط الخارجي لن يأخذوه بالضغط الداخلي)).وقد شكك الرئيس (الأسد) بوطنية كل من يرتفع صوته بالتوازي مع الخارج المتآمر- أمريكا وحلفائها- الذي وضع المنطقة،كما يراها الأسد: ((امام خيارين لا ثالث لهما.إما المقاومة والصمود أو الفوضى))،وقد فضل الأسد ((المقاومة والتصدي)) منعاً لـ (الفوضى)،مما ترك انطباعاً لدى الجميع بأن (سوريا) لن تتجاوب كما يجب مع قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالتحقيق في قضية اغتيال(رفيق الحريري)،وهذا يعني مزيد من الاضطراب والتوتر مع المجتمع الدولي وفتح باب التكهنات و التساؤلات حول (المستقبل السياسي والاقتصادي) لسوريا.فبعد هذا الخطاب للرئيس الأسد، الذي سيطرت عليه لغة المواجه والتحدي، بدأ الإعلام السوري الرسمي(المرئي والمقروء والمسموع)، وبشكل مبالغ فيه، يدق طبول الحرب وأقيمت، في العاصمة (دمشق) ومعظم المدن السورية، خيم التصدي والاعتصام و سيرت المسيرات والتظاهرات المنددة بالتهديدات الأمريكية والدولية لسوريا،وارتفعت الشعارات والأناشيد الوطنية والقومية المحفزة على المقاومة استعداداً لـ (المنازلة الكبرى). من دون شك، استفاد النظام من سياسة التعبئة الجماهيرية هذه ضد الضغوط الخارجية والمبالغة فيها في محاصرة وربما تعطيل نشاط (المعارضة السورية) في الداخل والخارج التي تحركت بشكل لافت وصعدت من خطابها السياسي ضد النظام في الفترة السابقة للتطورات الأخيرة التي جاءت على خلفية نتائج التحقيق الدولي التي قام بها القاضي ديتليف ميليس وفريقه في جريمة اغتيال رفيق الحريري والتي حملت اتهامات الى ضباط سوريين يشتبه بتورطهم بهذه الجريمة الى جانب ضباط لبنانيين ،وإسراع مجلس الأمن الدولي لإصدار القرارات 1636 و 1644التي تدفع باتجاه المزيد من الضغوط الدولية على النظام في سوريا وتطالبه بالتعاون التام والتجاوب بدون شروط ومن غير تأخير مع اللجنة الدولية لاستكمال التحقيق في هذه القضية.لكن هذه الأجواء المتوترة التي اصطنعها الإعلام السوري قبل غيره وبدت فيها سوريا وكأنها تعيش حالة حرب، أعادت الى ذاكرة السوريين بديات (أزمة العراق) مع مجلس الأمن،وكيف قادت الى غزو أمريكي للعراق في آذار 2003 وهو غارق اليوم في دم أبناءه اللذين يقتلون على أيدي الاحتلال الخارجي والإرهاب الداخلي معاً،بدأت، هذه الأجواء المتوترة، تثير مخاوف السوريين وتقلقهم وأشاعت في المجتمع السوري شيء من الفوضى والبلبلة الاقتصادية والتيه السياسي،خاصة مع التراجع السريع لقيمة (الليرة السورية) أمام الدولار الأمريكي حتى قبل اتخاذ أي اجراءات أو عقوبات دولية بحق سوريا،بالرغم من كل التطمينات الحكومية حول قوة الاقتصاد السوري واستقراره، سرعان ما فقد المواطنون ثقتهم بأداء الحكومة وقراراتها،كما أن، هذه الأجواء والتطورات، فتحت باب النقاش والجدل بين السوريين حول مأزق بلادهم مع المجتمع الدولي وسبل الخروج منه من جهة وحول مستقبل العلاقة السورية اللبنانية من جهة اخرى والمرشحة لمزيد من التدهور والتوتر بعد اغتيال النائب والصحفي (جبران تويني) مدير تحرير جريدة النهار اللبنانية والمعروف بانتقاداته الشديدة للنظام السوري في الثاني عشر من هذا الشهر(كانون الأول).

لا جدال على أن الاهتمام الأمريكي وحلفائه الغربيين بـ (الملف اللبناني) يتجاوز قضية الحقيقة في اغتيال(رفيق الحريري)،إذ لهذه الدول مصالح استراتيجية في هذه المنطقة الحيوية من العالم تسعى للحفاظ عليها وتقوية نفوذها فيها.لكن الأخذ بـ (نظرية المؤامرة)، من قبل النظام في سوريا، في تحليل التوجهات الجديدة للسياسة الدولية وفي تفسير ما يجري في الداخل السوري من حراك سياسي معارض،لم يعد يجدي نفعاً في عالم مفتوح تحكمه مفاهيم ومعايير جديدة، بات يستحيل في ظلها عزل ما يجري في الداخل عن ما يحصل في الخارج.كما أن حل أزمات سوريا مع الخارج ومعالجة معضلات الداخل لا يأتي بالمراهنة على عامل الزمن وعلى ما قد يحصل في المستقبل من مستجدات وخلط للأوراق في المنطقة والعالم،أو بالانغماس المتزايد للسياسة السورية في القضايا الإقليمية ولا عبر مزيد من الاجراءات الأمنية في الداخل.وإنما هذه الحلول فقط تأتي باعتماد سياسة واقعية في علاقات سوريا مع العالم الخارجي والأخذ بمبدأ (البرغماتية)،أساسها (المصالح الوطنية) لسوريا، بعيداً عن الأيديولوجيات والعقائد والأفكار المسبقة،ومن خلال انفتاح النظام على الداخل والتعاطي الديمقراطي للحكم مع المجتمع السياسي المعارض وفعاليات المجتمع المدني والالتفات الى مشكلات الواقع السوري ومعالجة حالات البؤس فيه،في مقدمتها مشكلة البطالة والتنمية والتعليم والديمقراطية والحريات وحقوق القوميات الغير عربية، كالآشوريين والأكراد وغيرهم ومنح الجنسية للمحرومين منها ، فمثل هذه الخطوات من شأنها أن تخفف من حدة الاحتقانات والتوترات المحلية والإقليمية، وتؤسس لمرحلة سياسية جديدة في سوريا تعيدها الى سكة التطور والتقدم والازدهار و تجنبها المزيد من الأزمات.