الدستور/ باتر محمد علي وردم

استمعت باهتمام وتدقيق، كغيري من ملايين العرب إلى المقابلة الانفجارية التي قامت بها قناة العربية مع نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام والتي كشف فيها العديد من الحقائق حول آلية اتخاذ القرار في سوريا، وتورط النظام في لبنان وأخيرا التلميح حول الكثير من الأمور التي لم يتحدث عنها بصراحة، وهي تشكل تراكم 40 عاما من معرفة أكثر الأسرار ندرة وخطورة في تاريخ السياسة السورية والعربية.

وفي نهاية الأمر لم أحس سوى بالألم، ولست قادرا على التهليل لهذه التصريحات كما تفعل بعض الأطراف العربية واللبنانية المعادية للنظام السوري، ولا أستطيع أيضا أن أشارك في ’’زفة الردح’’ التي تقوم بها مؤسسات إعلامية ورسمية وأحزاب مؤيدة للنظام السوري، وما أستطيع فقط أن أحس به هو مقدار الألم والحزن على وضع الشعب السوري الشقيق والذي لا يملك الفرصة ولا الحق في التعبير عن رأيه طوال عدة عقود من الحكم الفردي.

استغربت أن يتحدث السيد خدام بهذه الحدة في الانتقاد عن الفساد وثروات الموظفين وهو الذي كان الرجل الثاني في سوريا طوال 40 عاما، فلماذا لم يتدخل لمنع هذا الفساد وكيف يمكن له أن يدعي أنه شخصيا، وعائلته بعيدان عن هذا الفساد؟ واستغربت في حديثه عن الدكتاتورية والقمع في سوريا ومجموعة المتنفذين الذين كانوا يعيثون فسادا في لبنان مثل رستم غزالي وعدم قيامه بدور فعلي في إيقاف هذا العبث وهو المسؤول الأول عن الملف اللبناني في الحكم السوري؟ وأحسست بكثير من الأسى عندما سمعته يتحدث أن الشعب السوري يأكل من القمامة وهذا تعبير في غاية الإهانة للشعب السوري الشقيق، ونحن نعلم أن ظاهرة الفقر والعوز منتشرة في كل البلاد العربية غير النفطية وهذه الظاهرة موجودة بنسب متفاوتة في هذا الدول ولكن لا يوجد مسؤول رسمي يتحدث في وسائل الإعلام عن شعبه بهذه الطريقة.

وفي اليوم التالي أصابتني الدهشة من جلسة مجلس الشعب السوري، فقد اكتشف النواب الأفاضل أن السيد خدام فاسد، وأنه يطمر النفايات النووية في تدمر. فهؤلاء النواب أنفسهم كانوا قبل 24 ساعة لا يجرؤون على النظر مباشرة في عيني خدام الزرقاوين، وإذ بهم يتمتعون بكل هذه الجرأة في نقده وشتمه وكشف فساده بعد أن سكتوا عنه عقودا طويلة. وإذا كان خدام ارتكب مثل هذا الفساد، فما هو حجم الفساد الذي ارتكبه غيره وهل سيتطلب الأمر انشقاقا آخر حتى تنكشف قصص الفساد؟ ما قاله خدام حول اغتيال الحريري لم يذهب مباشرة إلى اتهام النظام، ولكن أي ترتيب منطقي لأقواله يؤكد اتهام رأس القرار في سوريا. خدام يضع كثيرا من الاتهامات في سلة رستم غزالي، وهذا يبدو صحيحا تماما فهذا الرجل وفي كل شهادات من تعامل معه من لبنانيين وسوريين يمتلك كل مزايا غطرسة القوة والعنف التي تجعل منه شخصا مؤهلا لارتكاب جرائم كهذه بدم بارد.

ولكن خدام لا يقدم أي منفذ للرئيس الأسد، عندما يشير الى ان أحدا في سوريا لا يمكن أن يتخذ قرارا بحجم أغتيال الحريري بدون موافقة الرئيس. وفي نفس السياق، كان خدام مباشرا أيضا في توجيه التهم للرئيس لحود في التحريض على الحريري، وكل هذه الاتهامات تشكل معا حلقة ضغط رهيبة على النظام السوري.

نخشى أن تكون هذه المقابلة، وبغض النظر عن مدى صحة ما جاء فيها بداية العد التنازلي للحملة الأميركية الأوروبية على سوريا، ونخشى على استقرار سوريا وعلى مصير الشعب السوري ما بين سندان الضغط الدولي ومطرقة السياسات الانفرادية التي لا توجد لها آفاق إستراتيجية. ما قاله خدام قد يكون صحيحا ولكنه ليس إلا جزءا ضئيلا من جبل الثلج، أو جبل النار الذي جثم على صدور ملايين اللبنانيين والسوريين وهم جميعا يستحقون حياة أفضل وحريات أوسع وديمقراطية وايمانا حقيقيا بالمستقبل.

وكل هذه الطموحات المشروعة لأي إنسان تبدو محرمة إلا في حال حدوث تغيير استراتيجي في السياسة السورية يجنب الشعب السوري والدولة السورية تبعات خطيرة من خلال تزويد الشعب السوري بالحرية التي يستحقها ومعاقبة كل أصحاب عنجهية القوة الذين سيطروا على القرار السياسي في سوريا ولبنان. والكل في انتظار خطوات سياسية جديدة من الرئيس الأسد الذي لا نشك برغبته في تجنيب سوريا مصيرا بائسا مثل العراق.