د. فيصل القاسم

قد نكون نحن العرب والمسلمين أكثر شعوب الأرض حنواً وعطفاً وغيرة على أطفالنا إلى حد أن أحد شعرائنا وصفهم بفلذات الأكباد "تمشي على الأرض"، فنمضي الأيام والليالي ونحن نكد ونشقى من أجل تأمين مستقبلهم كما لو أنهم سيتضورون جوعاً عندما يواجهون الحياة بمفردهم. وكم من الآباء والأمهات على استعداد لأن يجوعوا من أجل أن ينام أبناؤهم شبعانين. وهناك الملايين من الآباء العرب الذين يتفانون من أجل ذريتهم إلى حد أنهم يحرمون أنفسهم من الكثير من ملذات الحياة كي يعبـّدوا طريق المستقبل أمام أطفالهم. وقلما يمر يوم على عائلة عربية إلا وتفكر بمصير أولادها. ماذا سيعملون في المستقبل؟ ماذا لو ساءت الظروف؟ ماذا سيأكلون وماذا سيشربون؟ ماذا لو متنا وهم صغار؟ ماذا؟ وماذا؟

لا شك أن العاطفة العربية تجاه الأبناء في غاية الإنسانية والروعة، لكنها في الوقت ذاته فيها الكثير من المبالغة والغلو والحمائية الزائدة عن اللزوم التي تأتي أحياناً بمفعول عكسي على الأولاد، لهذا السبب مثلاً نجد أن العديد من البالغين العرب يبقون أطفالاً طوال حياتهم يحنون إلى حضن أمهاتهم كما لو أنهم لم يفارقوا سن الطفولة قط، بينما نرى الشباب والشابات في الغرب يستقلون عن عائلاتهم في سن مبكرة جداً، فبعضهم يهجر المنزل وهم في سنوات المراهقة ليواجهوا الحياة بمفردهم دون مساعدة أو عون من أمهاتهم وآبائهم. وتجيز القوانين الغربية للأولاد، بنات وبنين، أن يخرجوا من تحت عباءة الوالدين بعد سن السادسة عشرة ،وهو عمر مبكر جداً بالنسبة لثقافتنا العربية. لكن هذا لا يعني أبداً أن المجتمعات الغربية لا تهتم بأبنائها ولا تحنو عليهم. على العكس من ذلك فهي تبذل الغالي والرخيص من أجل رفاهيتهم. لكنها في الآن ذاته تترك لهم المجال واسعاً كي يكابدوا الحياة بأنفسهم في مرحلة مبكرة عملاً بالمثل الصيني الشهير:" لا تعطهم السمك، بل علمهم الصيد". وهذه الحكمة جسدتها قبل أيام المليونيرة البريطانية الشهيرة أنيتا روديك بطريقة قد تبدو لنا نحن العرب صاعقة للغاية لا بل شاذة وصادمة. يقول الخبر: "في واقعة لا مثيل لها في هذا الزمان، قررت واحدة من أشهر وأهم سيدات الاعمال في بريطانيا هي أنيتا روديك (65 عاما) التبرع بكل ما تملك من ملايين لصالح الجمعيات الخيرية. وأنيتا هي مالكة ومؤسسة مشروع وسلسلة محلات (بودي شوب) لانتاج وبيع أدوات التجميل والصحة المصنعة من عناصر طبيعية. وحققت بمشروعها الذي شاركها فيه زوجها نجاحاً كبيراً منذ اطلقته في العام 1976.

وأصبح (بودي شوب) علامة تجارية ناجحة ليس في بريطانيا وحدها ولكن في العديد من دول العالم. وتملك المليونيرة أنيتا روديك نسبة 18.5 في المئة من اسهم الشركة العالمية (بودي شوب) وهي 20 مليون سهم. وقررت في تصريحات أعلنتها للصحف أمس أنها لا تريد أن تموت وهي مليونيرة!

وقالت إن المال لم يعد يمثل لها شيئا! وأكدت أنها لن تترك لابنتيها جوستين (36 عاما) وسامانثا (34 عاما) أي مال على الاطلاق.. متسائلة: ولماذا أترك لهما المال؟!

وعن مالها قالت إنها ستبدأ علي الفور في توزيع ما تملكه من أسهم ويساوي 51 مليون جنيه استرليني على الجمعيات الخيرية التي تساندها، وقد بدأت بالفعل في ذلك حيث تبرعت بسبعة ملايين إلى منظمة العفو الدولية لتمكينها من إتمام مركز الرعاية الذي تقيمه المنظمة في لندن وتكلف انشاؤه 12 مليون جنيه استرليني. وتضيف أنيتا روديك أن كل ثروتها تتمثل في هذه الأسهم.. «وأتمنى أن أتمكن من انفاق كل هذا المال في مساندة الأعمال الخيرية والقضايا الانسانية مثل حماية البيئة وحقوق الانسان». وتبرعت منذ شهور إلى منظمة غرين بيس ـ السلام الاخضر ـ الدولية بنصف مليون جنيه. وكانت أنيتا وزوجها جوردان وراء مشروع خيري مزدهر الآن في بريطانيا عندما تبرعا بربع مليون جنيه لانشاء مجلة (بيغ ايشيو) (القضية الكبرى) التي تتناول حياة المهمشين والعاطلين عن العمل والمشردين والتي يتقاضى باعتها وهم من المشردين أكثر من نصف ثمن النسخة التي يبيعونها يومياً."

لا شك أن الخبر أعلاه سيثير لدى العديد من القراء العرب الكثير من التساؤلات والتعجب وربما الاشمئزاز، فبعضهم قد يقول إن السيدة روديك مجنونة أو مختلة عقلياً. والبعض الآخر قد يقول إنها ليست في كامل وعيها. وقد يتنطع آخرون للقول إنها تفتقر إلى جينات الأمومة الحقيقية، فكيف لها أن تتبرع بأكثر من خمسين مليون جنيه استرليني للجمعيات الخيرية وتترك ابنتيها من دون مال؟ هل يعقل أنها تفضل العمل الخيري على رفاهية ومستقبل ابنتيها؟ لا شك أن السؤال الأخير وجيه جداً بالمقاييس العربية، فمن غير المعقول أن تذهب ثروة السيدة روديك بأكملها إلى الغير بينما كان بإمكانها أن تقتطع مبلغاً معيناً من أموالها لتأمين مستقبل ابنتيها الشابتين؟ لكن الكثير من أبناء جلدة أنيتا روديك البريطانيين لن يتفاجأوا كثيراً بما جاء في وصيتها ليس لأنهم لا يحملون مشاعر إنسانية نبيلة بل لأنهم تربوا على قيم الاعتماد على النفس وشق طريقهم بأنفسهم بعيداً عن مساعدة الآباء والأمهات والأعمام والأخوال والأجداد والجدات. فقد تعودوا أن يتركوا أبناءهم وبناتهم يتدبرون أمورهم حتى لو كانت العائلة في غاية القوة والثراء. فقد كان ابن رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور مثلاً يعمل محاسباً (كاشيير) في محلات (ماركس أند سبنسر) بالرغم من ثراء والده ونفوذه الكبيرين في ذلك الوقت. ولا شك أن ميجور كان باستطاعته أن يوفر لابنه كل متطلبات الحياة الكريمة والسعيدة ويعفيه من المعاناة والعمل لساعات طويلة واقفاً وراء صندوق الدفع من أجل الحصول على راتب زهيد، لكنه لم يفعل بل تركه يكدح ويجد كي يؤمن حياته بنفسه، فالحياة في الثقافة الغربية ليس أن تأتينا الملذات والثروات على طبق من ذهب بل أن نسعى ونجاهد من أجلها ونحس بطعمها الحقيقي لا بطعم "سكند هاند" كي نستمتع بها. لهذا السبب يقولون:" لا طعم للحلوى في فم تعود على مذاق العسل".

لقد اعتقدت المليونيرة روديك أنها لو ورثت ثروتها الهائلة لابنتيها لربما حرمتهما من متعة الحياة الحقيقية. ومن يدري فلربما اجتهدت البنتان وجمعتا من الثروة ما يفوق ثروة الوالدة بعشرات المرات. ولدينا في حياتنا العربية الكثير من الأمثلة التي تثبت ذلك. فكم من الآباء ورّثوا لأبنائهم أراضي شاسعة وثروات كبيرة، لكن الأبناء لم يعرفوا كيف يستثمرونها، فبذروا الثروة وأضاعوا الممتلكات وانتهى بهم الأمر فقراء مساكين معوزين تائهين. ولقد شاهدت بأم عيني أناساً كانوا أولاد ذوات كبار وهم الآن أناس أقل من عاديين، ومنهم من يمارس أصعب المهن كي يؤمن لقمة عيشه بعد أن فقد الميراث والجاه.

في المقابل هناك أناس لم يكن لدى عائلاتهم حتى لقمة الخبز ناهيك عن أن تورث للأبناء أي شيء. لكن ذلك لم يزد الأبناء إلا تصميماً وإصراراً على مواجهة الحياة بصدور رحبة وتحقيق المعجزات. لقد صدق أهلنا الطيبون عندما قالوا:" بيت رجال ولا بيت مال".