حسام عيتاني/السفير

يتوقع فريق الاكثرية النيابية اللبنانية أن يأتي الرد السوري على مقابلة نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام <<شرسا>> وأن ترفض دمشق دعوة لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى لقاء الرئيس بشار الأسد ووزير الخارجية فاروق الشرع. وتسري أنباء عن موجة اغتيالات جديدة تشمل إعلاميين وسياسيين من معارضي سوريا.

لقد وضعت شهادة خدام، برفعها درجة الاتهام الى رأس الحكم في دمشق، عملية الكشف عن حقيقة الاغتيال أمام واقع جديد: لم يعد من الممكن الفصل بين متابعة التحقيق وبين عملية تغيير السلطة في سوريا. وكل كلام عن <<عدم التدخل في الشؤون السورية>> و<<رفض الحصار والعقوبات الدولية على دمشق>>، لا يساوي شيئا في سوق المواقف والتصريحات. من هنا توقع الرد السوري <<الشرس>> على المرحلة الجديدة من مسيرة الكشف عن مرتكبي اغتيال الرئيس الحريري. فالبديهي أن يرد النظام في سوريا على محاولات الإطاحة به، بالوسائل التي يملكها وعلى الساحات التي يستطيع فيها تأثيرا.

والواضح ان خدام عزز الجانب السياسي من التحقيق، وهو ما كان قد اتخذ مساره الاساس منذ تقرير لجنة فيتزجيرالد بتوجيه الاتهام صراحة الى سوريا، ولم يضف الشيء الكثير الى المعطيات القضائية المحض. فرفع بذلك الضغط السياسي على النظام ودرجة الارتباط بين التحقيق وبين السعي الى الانقلاب على الحكم. وبات واهما، بعد شهادة خدام، كل من يعتقد بإمكان فصل المسألتين من دون حصول تسوية عربية دولية كبرى تطال مكونات السلطة في سوريا.

ولا معنى للمرافعات التي قدمها اعضاء مجلس الشعب السوري حول فساد النائب السابق للرئيس، إلا في كونها بيانات تأييد للحكم. ولا معنى خصوصا في مساجلتها والرد عليها او في مساءلة اصحابها عما كانوا يفعلون اثناء وقوع تلك الارتكابات الجلل.

وفي الخانة ذاتها من انعدام المعنى يحل اعتبار خدام بطلا للحريات والديموقراطية في سوريا لمجرد انه خرج على النظام الذي شكل احد اعمدته طوال اربعين عاما. (يمكن العودة هنا الى المحاضرة التي ألقاها خدام في 18 شباط 2001 في جامعة دمشق ونشرتها الزميلة <<الحياة>> في حينه والتي اسست لهجوم النظام على بدايات التحرك الديموقراطي في سوريا، للخروج بلمحة غاية في الايجاز عن المنطق الذي حكم ذهنية خدام اثناء ممارسته للسلطة).

لا ريب في ان تداعيات ما قاله خدام ستعمق الفرز على الساحة اللبنانية المنقسمة بين <<فسطاط السيادة>> و<<فسطاط المقاومة>>، تشبها بالقسمة التي رسمها للعالم طيب الذكر اسامة بن لادن. او عملا بالحكمة المأثورة <<من ليس معنا فهو ضدنا>>، للرئيس جورج بوش، لا فض فوه. يدرك من يشارك في تسيير التحقيق او في ارسال السيارات المفخخة، ان الامر يتجاوز بأشواط البحث عن حقيقة من امر باغتيال الحريري ومن نفذ ومن خطط. إنها عملية كبرى لاعادة التموضع السياسي في المنطقة بين أطراف ليس من السهل الحكم الى أي جانب منهم تكمن مصالح الشعبين اللبناني والسوري. لقد أصبح البلدان امام نوع جديد من تلازم المسارات.

وأن يتوقع المرء اتخاذ اللبنانيين، الخيار الصائب في الجهة التي يمحضونها ثقتهم، لفيه من التفاؤل ما ينيّف على الإفراط.