النهار/ توماس كاروثرز

ترتكز "أجندة الحرّية" التي أطلقها الرئيس جورج دبليو بوش على فكرة أنّ الترويج للديموقراطية في الخارج أمر أساسي لمكافحة الإرهاب. في نظره، إذا انتشرت الديموقراطية في دول سلطويّة راكدة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، فسوف تقتلع جذور الجهاديّة الإسلامية وأشكالاً أخرى من الراديكالية السياسية العنيفة.

إنّه اقتراح جريء، وهو مثير للإعجاب بقدر ما هو غير مثبَت. اعتنق الرؤساء الأميركيون في العقود الأخيرة مبدأ تعزيز الديموقراطية لكنّهم كانوا عادةً يرجئون تنفيذه عندما يتعلّق الأمر بطغاة أصدقاء يزوّدون أميركا بالنفط ويسمحون لها بإنشاء قواعد عسكرية في أراضيهم ويؤمّنون لها مكاسب اقتصادية وأمنية أخرى. تقتضي أجندة بوش تغييراً أساسياً في ذلك النمط. يجب تغيير هذه العلاقات ليس من أجل مثل عليا عاطفية بل سعياً نحو هدف أمني أعمق فرضته أحداث 11 أيلول.

إذن هل إدارة بوش جدّية بهذا الشأن؟ أدّى تلاقي أحداث سياسية في الأشهر الأخيرة في ثلاثة بلدان – أذربيجان ومصر وكازاخستان – إلى وضع الإدارة الأميركية أمام اختبار ثلاثي محوريّ. رؤساء هذه الدول سلطويّون مستقوون وبارعون في الاحتفاظ بالدعم الأميركي عبر تقديم خدمات ملموسة. يؤمّن الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف والرئيس الأذري إلهام علييف النفط والغاز الطبيعي للولايات المتّحدة بينما يعرض عليها الرئيس المصري حسني مبارك المساعدة مع الفلسطينيين والتعاون الأمني في الشرق الأوسط.

يقمع الثلاثة المعارضة في الداخل ملوّحين في الغالب بالعلَم الأحمر (أو الأخضر) لتهديد إسلامويّ داخلي ما. ويبدو أنّ ثلاثتهم ينوون أن يكونوا رؤساء لمدى الحياة. باختصار، يسيرون على درب الركود السياسي الشديد الذي حذّر منه بوش. وهذا النوع من الركود مقلق جداً في البلدان حيث ترى القوى المعارِضة المحبَطة، عن حقّ، في الولايات المتّحدة أفضل صديق للنظام.

واجه هؤلاء القادة الثلاثة انتخابات وطنيّة هذا الخريف. في خطوة جديرة بالثناء، طلبت إدارة بوش من الحكومات الثلاث ضمان انتخابات حرّة وعادلة. ففي حالة مصر على سبيل المثال، وضعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لائحة واضحة بالتوقّعات حول الإجراءات والشروط العادلة أثناء زيارتها إلى القاهرة في حزيران الماضي.

غير أنّ القادة الثلاثة تعاملوا مع الضغوط الأميركية عبر التصرّف بحسب الأسلوب المألوف للطغاة الأصدقاء. أجروا تحسينات طفيفة في مرحلة الاستعداد للانتخابات وصحّحوا العديد من الاختناقات الإجرائية وسمحوا بحرّية أكبر في النقاش السياسي وأعلنوا بكلّ وقار عن التزامهم الراسخ بإجراء انتخابات ديموقراطية.

لكن في المراحل الأساسية اللاحقة من الحملة وأثناء التصويت، انتقلوا إلى إجراءات تعسّفية. ضايقت قواهم الأمنية عدداً كبيراً من المعارضين ومارست عليهم الترهيب واعتقلتهم، وزوّرت صناديق الاقتراع وتلاعبت بفرز الأصوات. في البلدان الثلاثة، ألقى مراقبون محايدون ذوو صدقية الضوء على العديد من الانتهاكات الخطيرة واستنتجوا أنّ أياً من الانتخابات لم تكن حرّة وعادلة.

ما كان ردّ فعل إدارة بوش؟ حتّى الآن هي أيضاً اتّبعت الأسلوب المألوف أي إنّها ركّزت على الإيجابيات الضئيلة وقلّلت من شأن السلبيّات الفاضحة. بينما كانت القوى الأمنية تتعامل بعنف مع المجموعات المعارِضة السلميّة في الجولتين الأخيرتين من الانتخابات البرلمانية، صرّح ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ببرودة "لم نتلقَّ حتّى هذه المرحلة أيّ إشارة إلى أنّ الحكومة المصرية غير مهتمّة بإجراء انتخابات سلمية وحرّة وعادلة".

وبعدما كرّرت الحكومة الكازاخية اللجوء إلى التقنيات القمعية العنيفة نفسها التي تستخدمها لتقويض كلّ العمليات الانتخابية منذ مطلع التسعينات، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً مخفَّف اللهجة إلى درجة كبيرة حيث أقرّت على مضض بأنّ "النظام ليس خالياً من العيوب بعد".

السؤال الكبير المطروح الآن هو الآتي: هل سيدفع هؤلاء القادة أيّ ثمن حقيقي في علاقاتهم مع إدارة بوش لأنّهم تحدّوها في موضوع الديموقراطية؟ لدى الإدارة الأميركية مجموعة غنيّة من الأدوات للتعبير عن استياء جدّي: إرجاء اتّفاقات تجارية جديدة أو وقف العمل بالاتّفاقات الحالية، منع هؤلاء القادة من زيارة البيت الأبيض وحرمانهم مكافآت ديبلوماسية أخرى، خفض المساعدة الاقتصادية، تعديل التعاون العسكري، والأداة التي قد يكون لها الثقل الأكبر هي صدور كلام صريح ونقديّ عن الرئيس في خطبه المستقوية.

لم توضّح الإدارة الأميركية بعد ما هو الطريق الذي ستسلكه لكن مع مرور الأيام يتعزّز الشعور بأنّ الأمور ستبقى كما هي. قد يكون العراق ساحة المعركة الأكثر وضوحاً للعيان بالنسبة إلى طموحات الرئيس بوش المنادية بالديموقراطية. لكنّها حالة استثنائية. الحلفاء السلطويّون العديدون الذين اعتادوا تحدّي الديموقراطية هم حقل الاختبار الحقيقي لسياسة يجب أن تتحلّى بالثبات والجدّية وتؤدّي إلى نتائج.

ستُحدّد الخطوات المقبلة التي ستتّخذها الإدارة الأميركية بشأن أذربيجان ومصر وكازاخستان إذا كانت "أجندة الحرّية" ستنجح في اكتساب صدقيّة فعلية في وجه الشكوكيّة المنتشرة على نطاق واسع أم أنّه سيجري التخلّي عنها عند أوّل منعطف صعب في الطريق.