تحرك مصري تجاه بيروت ودمشق ... تدعمه باريس

السفير سعى الرئيس المصري حسني مبارك في لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك امس الى تجاوز الاختلاف في وجهات النظر بين القاهرة وباريس والرياض حيال الازمة اللبنانية السورية، وسبل تهدئتها، من خلال سلسلة خطوات مصرية تجاه بيروت ودمشق، تواكب التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنها تحرص على عدم تحوله إلى عنصر ضغط على الاستقرار في سوريا، ما يؤثر على الوضع في لبنان. ولم يدل الرئيس مبارك، الذي كان قد زار السعودية أمس الأول، بأي تصريح لدى مغادرته قصر الاليزيه حيث كان شيراك قد حذر من خطورة الوضع، ودعا الى التنبه لأن <<كل ما يزعزع استقرار لبنان ينقلب في نهاية المطاف على سوريا>>. أما في دمشق، حيث لم يعلن شيء عن الموفد السعودي الذي تقرر إيفاده إلى العاصمة السورية في إعقاب لقاء مبارك والملك السعودي عبد الله في جدة أمس الأول، فيبدو أن أي قرار لم يصدر بعد بشأن كيفية الاستجابة لطلب لجنة التحقيق لقاء الرئيس بشار الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع. وأبلغت مصادر سورية رفيعة المستوى <<السفير>> أمس أن التوجه العام لدمشق في التعامل مع لجنة التحقيق الدولية لا يزال يستند إلى فكرة التعاون الاستراتيجي مع اللجنة الدولية ضمن شروط السيادة، التي تستدعي توقيع برتوكول للتعاون بين الطرفين، من دون أن يكون الرد على الطلب الأخير للجنة بلقاء الأسد وغيره من المسؤولين مرهونا بتوقيع هذا البرتوكول في هذه اللحظة. وأوضحت المصادر نفسها أن <<الاتجاه العام الحالي هو أن لا مشكلة بالنسبة لطلب لقاء الشرع>>، وإن كانت <<كل الأمور تدرس دفعة واحدة>> بحيث <<لا يتأخر الرد إلى اللجنة طويلا>>. وأضاف المصدر أن القيادة السورية <<لا تنظر إلى الطلب الأخير باعتباره يشكل أزمة بين اللجنة ودمشق وأن التوجه لا يزال باتجاه التعاون>>. ونقلت وكالة <<فرانس برس>> عن مصدر سوري رسمي قوله أمس إن دمشق لم ترد بعد على طلب لجنة التحقيق الدولية. وأوضح أن <<لا جديد في الوقت الراهن. سوريا لم تعلن موقفها بعد>>. وقالت المتحدثة باسم اللجنة في بيروت نصرت حسن أمس إنها لم تتلق حتى الآن رد دمشق على طلب اللجنة لقاء الأسد والشرع. القمة المصرية الفرنسية ولم يدل الرئيسان الفرنسي والمصري بأي تصريحات بعد غداء العمل في قصر الاليزيه. واكتفى مبارك بالقول، بعد إلحاح الصحافيين، <<بحثنا في موضوعات الشرق الأوسط لا سيما لبنان وسوريا وفلسطين والعراق>>. وقال المتحدث باسم شيراك، جيروم بونافون، إن الملف السوري اللبناني كان من بين القضايا التي طرحت على مائدة البحث خلال غداء العمل الذي أقامه الرئيس الفرنسي تكريما للرئيس المصري في باريس. ونقل بونافون عن شيراك قوله، أثناء الغداء، <<يجب ان تتمكن اللجنة الدولية من كشف كل ملابسات عملية التفجير التي أودت بحياة>> الحريري. ودعا شيراك، بحسب بونافون، إلى سَوق الفاعلين أمام القضاء <<ويفترض أن يستجاب لكل طلبات اللجنة التي يفترض أن تلقى إجابات مُرضية وان تستجيب سوريا في شكل خاص لطلباتها>>. وقال بونافون <<لقد ذكّر الرئيس الفرنسي بما تقدمه فرنسا لدعم لبنان بشكل مستمر في عملية إعادة البناء السياسية والاقتصادية>>. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية (أ ش أ) عن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، سليمان عواد، قوله إن <<الجانبين (المصري والفرنسي) اتفقا على ان أحدا لا يستطيع أن يحول دون عمل اللجنة، وعلى ضرورة استجلاء الحقيقة وتعاون كافة الأطراف مع اللجنة الدولية مهنيا وفنيا من دون تسييس>>. وأضاف عواد أن المباحثات ركزت أيضا على ضرورة الاتصالات الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى تحقيق الاستقرار على الساحتين اللبنانية والسورية وبحيث تستمر العلاقات السورية اللبنانية في مسارها الصحيح. وقال عواد إن <<مبارك أكد ضرورة إقرار أمن وسلامة لبنان وسلام ووئام ووفاق الشعب اللبناني... واتفق مع الرئيس شيراك على ضرورة تشجيع سوريا على التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية وعلى احترام الشرعية الدولية متمثلة في قرارات مجلس الأمن، مؤكدا عزم مصر على مواصلة الجهود لتحقيق هذه الأهداف ولتجنيب سوريا كل شر>>. وقال وزير الخارجية المصري، أحمد أبو الغيط، إن مصر تبذل جهودا متواصلة من أجل تحقيق المصالح العربية والإقليمية بشكل عام، وتسعى بدأب للحيلولة دون ظهور <<بؤرة توتر>> جديدة فى المنطقة. وقال ابو الغيط، ردا على سؤال عن الحيز الذي شغله الملف السوري اللبناني في إطار مباحثات مبارك وشيراك، إن <<الاهتمام انصب على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ككل>>. وأضاف أن مباحثات القمة المصرية الفرنسية تناولت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وعملية السلام، والموقف في العراق، وفي إيران، والأوضاع في سوريا ولبنان، إلى جانب جميع القضايا والمسائل التي تحتاج إلى <<سيطرة>> لكي لا تظهر بؤر جديدة للتوتر في المنطقة. وفي ما يتعلق بالموقفين المصري والفرنسي من الأوضاع في سوريا ولبنان تحديدا، قال ابو الغيط إن الجانبين أجمعا على ضرورة التجاوب مع <<متطلبات مجلس الأمن>> ولجنة التحقيق الدولية وان هدفهما هو التوصل إلى <<عمق الحقيقة>>. وأشار ابو الغيط إلى أن <<التحقيقات لا بد من أن تتوصل إلى الجاني ومعاقبته>>، مشددا على أن <<هذه التحقيقات لا بد من أن تنصب على اغتيال.. الحريري وألا تتجاوز ذلك إلى أجندات سياسية>>، مشيرا إلى أن <<لا أحد يرغب في تسييس الوضع>>. وأشار ابو الغيط إلى اهتمام مصر بالسعي إلى تحقيق <<استجابة>> سورية مع حرصها على التوصل إلى توافق داخلي في لبنان، والى بناء علاقة صحية لبنانية سورية تقوم على المودة من أجل مصلحة البلدين. وحول الموقف بالنسبة للسعي المصري لتحقيق المصالح العربية السورية اللبنانية، قال ابو الغيط إن <<هناك تقدما مستمرا في هذا الصدد>>. وكان مبارك قد وصل في وقت سابق إلى باريس قادما من القاهرة في زيارة لفرنسا تستغرق يومين. وكان شيراك قال، ردا على سؤال على هامش لقائه التقليدي بالصحافيين في باريس لمناسبة حلول رأس السنة، إن على سوريا أن <<تكون أكثر تعاونا مع لجنة التحقيق الدولية>>. وأضاف أن <<كل ما يزعزع استقرار لبنان سينقلب في نهاية المطاف ضد سوريا>>، مشددا على أن <<الوضع خطير، يجب الانتباه كثيرا>>. وقال مصدر فرنسي مطلع ل<<السفير>> إن باريس تشدد على احترام العلاقة المميزة بين لبنان وسوريا، والتي يحكمها التاريخ والجغرافيا، ولكن لا بد من احترام سيادة كل من البلدين، وبالتالي فمن واجب سوريا القبول بترسيم الحدود وبالتمثيل الدبلوماسي والكف عن التدخل في الشؤون اللبنانية. وأضاف المصدر نفسه أن مبارك أعرب عن قلق مماثل بشأن لبنان، وهو يسعى بالتالي لإيجاد صيغة تكفل من جهة تعاون سوريا الكامل مع لجنة التحقيق الدولية وتضمن من جهة ثانية عدم حدوث خضات غير معروفة العواقب في سوريا، مع ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان وحمايته. وفي هذا الجانب بالذات، تشير الأوساط المطلعة في باريس إلى أن المقاربة المصرية تختلف قليلا عن المقاربة السعودية، ذلك أن المملكة تبدو حاليا أكثر قربا من الطرح الفرنسي القائل بان سوريا تخطت الكثير من الخطوط الحمر في لبنان وانه لم يعد ثمة أمل كبير في النظام القائم حاليا حتى ولو أن الرياض ليست في وارد العمل على إزالة هذا النظام نظرا لقلقها من فوضى ما بعده. ويبدو أن الرئيس المصري يقدم قراءة أخرى للأوضاع مفادها أن توتر العلاقة اللبنانية السورية يؤثر في الوقت الراهن على لبنان وان استمرار الضغوط على سوريا وقطع كل طرق الحوار معها يزيدان نظام الأسد تشددا وبالتالي فلا بد من صيغة توفيقية تشجع السوريين على التعاون طالما أن الهدف هو الكشف عن قتلة الرئيس رفيق الحريري. ومن هذا المنطلق، فإن مبارك يقترح حركة دبلوماسية مصرية بين دمشق وبيروت تكون عبر موفده عمر سليمان أو شخص آخر، مشيرا الى ان الطرفين السوري واللبناني مستعدان للقبول بذلك حتى ولو بدت تحفظات وتشنجات في الفترة الراهنة. وكانت السعودية أعربت مجددا عن استيائها من المواقف السورية ونقل عن الملك عبد الله قوله <<إن الرئيس الأسد يقول لنا شيئا ثم يقوم بعكسه>>. وقال مصدر عربي مساء أمس ل<<السفير>> إن القاهرة تفكر بصيغة توفيقية تتم على مراحل وتشمل مختلف القضايا الخلافية بعيدا عن التحقيق الدولي على أساس انه لا يمكن الاستمرار بالأوضاع الراهنة على ما هي عليه بانتظار التحقيق الذي قد يطول. ومن بنود هذه الصيغة نقل رسائل تهدئة في المرحلة الأولى بين لبنان وسوريا ووقف الحملات الإعلامية، يليها البحث في إمكان ترسيم الحدود والمسائل الأخرى، بما فيها قضية مزارع شبعا، برغم صعوبة هذه المسألة الأخيرة وارتباطها بمستقبل حزب الله. وبرغم أن باريس تفضل ضغوطا دولية على مستوى مجلس الأمن وترى أن النظام السوري أغلق كل أبواب التفاهم، إلا أن شيراك، الذي <<يقدر مبارك ويحترم مواقفه>>، وفق ما يقول المصدر العربي، قال للرئيس مبارك انه <<يشجع كل ما من شأنه حماية لبنان وانه شخصيا مستعد للقيام بكل ما في وسعه بهذا الشأن>>. وذكر المصدر العربي أن اتصالا حصل بين مبارك وخدام، وان شيراك كان قد أعرب عن ارتياحه لما أدلى به النائب السابق للرئيس السوري على اعتبار انه يخدم التحقيق الدولي الذي جدد الرئيس الفرنسي القول لزواره في الآونة الأخيرة انه شخصيا مستمر في دعم هذا التحقيق وانه من غير الوارد مطلقا التراجع قيد انملة فيه مهما حصل. ولكن احدا من الجانب السوري او الفرنسي استطاع تأكيد الاتصال بين خدام ومبارك، بينما قال مصدر سوري ان خدام يعتزم عقد لقاء صحافي في فترة قريبة جدا يدعو اليه بعض الصحافيين العرب بغية إيضاح مواقفه. واشنطن وأعلنت واشنطن أن الاتفاق حول الاستماع إلى الشرع خطوة ايجابية، الا انها طالبت بالمزيد من التعاون. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية شون ماكورماك <<انها ليست خطوة كاملة في اتجاه الاذعان (للقرارات الدولية). لا يزال هناك مطالب بارزة حيال المقابلات. وسوف نرى، ونحن نمضي قدما، كيف تتصرف سوريا حيال اذعانها>>. المقداد وانتقد مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، فيصل المقداد، تصريحات نظيره الأميركي جون بولتون الأخيرة التي دعا فيها دمشق إلى الانصياع الكامل وغير المشروط لمطلب لجنة التحقيق الدولية بشأن لقاء الأسد. وقال المقداد إن <<تدخل بولتون ليشدد الطلب على ضرورة تعاون سوريا والالتزام، فإن هذا يدل على تدخل سافر من قبل بولتون ومن يقف خلف بولتون، كما يدل بشكل آخر على النوايا الأميركية الجاهزة في هذا المجال>>. وأضاف أن <<تلك النوايا لا تريد لهذا التحقيق أن يكون مهنيا أو موضوعيا وأن يصل إلى النتائج التي تريدها الولايات المتحدة في إطار سياستها المستمرة بالضغط على سوريا وبالضغط أيضا على لجنة التحقيق والتدخل في شؤونها الداخلية>>. الأردن وفي السياق، أكد رئيس الوزراء الأردني معروف البخيت أن الأردن لا يريد الأذى لسوريا لكنه يساند في الوقت نفسه قرارات الشرعية الدولية. وقال البخيت، لصحيفة <<العرب اليوم>> الأردنية، إن <<سوريا دولة شقيقة وعزيزة علينا وفي الوقت الذي نتمنى ألا يصيبها أي أذى فإننا في الوقت نفسه نريد والمجتمع الدولي أن نعرف الحقائق من باب التزامنا بالشرعية الدولية. وإننا حريصون دائما وثابتون على مواقفنا ونؤيد الشرعية الدولية في قراراتها، ويجب ألا يكون تأييدنا لها انتقائيا>>.