توماس فريدمان/الشرق الأوسط

لم يمض من عام 2006 سوى أربعة أيام، ولكنني مستعد، في الوقت الحالي، أن أسمي المورد الطبيعي للعام، وهو المورد الذي سيكون له التأثير الأكثر حسما على العلاقات الدولية، وذلك بدون ريب هو النفط. انظروا الى الاتجاهات العالمية التي ترتبط بالنفط (أو الغاز) اليوم، وسترون انها سيئة جميعا: فزعيم ألمانيا السابق يخرج من منصبه عن طريق الانتخابات، ويتوجه الى العمل لصالح رئيس روسيا، مديرا لشركة خط انابيب تملكها روسيا. وتلطخ فضيحة النفط مقابل الغذاء سمعة الأمم المتحدة. ويتورط رئيس ايران، الذي يشعر بقوة ناجمة عن مليارات الدولارات المتدفقة على بلاده، بفضل سعر برميل النفط الواحد البالغ 60 دولارا، في تصريحات صاخبة متكررة حول كيف ان الهولوكوست كانت خرافة. وتقلص حكومة فلاديمير بوتين التي يعززها النفط في روسيا على نحو مستمر الحريات المدنية في البلاد، بينما تستخدم نفوذها في مجال الطاقة في الخارج في محاولة لمعاقبة أوكرانيا، وثني الأمم المتحدة عن ممارسة ضغوط على سوريا، بسبب حملتها الدموية ضد الديمقراطيين اللبنانيين وعلى إيران بسبب سعيها الى تطوير قنبلة نووية. وبوسعي الاستمرار في إيراد المعلومات.

وإذا ما نظرتم الى هذه الاتجاهات، تتجلى ثلاثة اتجاهات، هي جميعها سلبية، وجميعها ستكون أسوأ في عام آخر يكون فيه سعر النفط 60 دولارا للبرميل الواحد، والقوة الوحيدة في العالم التي تمتلك الارادة والسبيل لتحييد الآثار الأسوأ هي اميركا.

ولكن هنا تكمن الصعوبة: فرفض اميركا لتحديد سياسة طاقة جادة، تجعل هذه المشاكل أشد، ورفضها اتباع سياسة اجتماعية، أي اصلاح الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، قبل أن تلتهم الميزانية الأميركية، لن يؤدي الا الى اضعاف قدرة أميركا على لعب دور عالمي متحكم ضروي لاستقرار العالم.

واذا اردنا التعبير بصيغة أخرى، فإن نهمنا في الطاقة يعزز القوى الأسوأ في العالم، وان نهمنا في الضمانات الاجتماعية والصحية سيؤدي الى اضعاف قدرتنا على التعامل مع هذه القوى. وكما عبر أخصائي الشؤون الخارجية في جامعة جونز هوبكنز مايكل ماندلباوم، فإن «التهديد الأكبر لدور أميركا في العالم اليوم، هو ليس الصين. إنه الرعاية الصحية».

وفي كتاب ذكي ومميز «وجهة نظر جالوت: كيف تتصرف اميركا باعتبارها حكومة العالم في القرن الواحد والعشرين»، يوضح ماندلباوم، أنه في الوقت الذي يصعب القول ان السياسة الخارجية الاميركية متكاملة، فإن أميركا ـ عن طريق انتشارها العسكري ومشاركتها الدبلوماسية ودورها الحيوي في دعم الاقتصاد العالمي وقواعده ـ تقدم قواعد الحكم الاساسية التي تحافظ على العالم مستقرا.

ويقول ان معظم دول العالم تقبل مثل هذا الموقف. فهي تعجب به لأنهم يعرفون أن الولايات المتحدة ليست قوة ضارة، ولذا فلا تخشى من النظام الذي تقدمه. وتعجب الدول بذلك، لأن هذا النظام العالم يساعد كل دولة في العالم، ولكن تكلفته يتحملها، بصفة اساسية دافع الضرائب الاميركي. كما يعجبها لأنه يتيح لهم انتقاد الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت يستمتعون بالمنافع التي تقدمها.

ان افضل دليل على كل ذلك، كما يشير ماندلباوم، هو عدم تشكيل أي تحالف عسكري، لمواجهة دور الحكومة العالمية لأميركا ـ كما حدث مع القوى المسيطرة الاخرى عبر التاريخ. واميركا، من وجهة نظر ماندلباوم «ليست أسد النظام العالمي، ترعب وتفترس الحيوانات الصغيرة والضيفة، لكي تستمر في الحياة. بل هي الفيل، الذي يدعم مجموعة كبيرة من المخلوقات الاخرى ـ ثدييات صغيرة وطيور وحشرات ـ عن طريق امدادهم بالغذاء وهو يطعم نفسه».

لقد نقلت صحيفة «يو.أس.أيه.توداي» عن دافيد ووكر المفتش المالي العام الاميركي قوله، اننا سنتعرض الى «تسونامي ديموغرافي»، لن «يتراجع على الاطلاق». وأشارت الصحيفة إلى أنه إذا لم نقلص التأمين الصحي والضمان الاجتماعي المخصص لأبناء ذلك الجيل، فإن «الدين الوطني» الاميركي سيزيد بثلاثة تريليونات دولار حتى عام 2010، ليصل الى 11.2 تريليون دولار. والفائدة وحدها تصل الى 561 مليار دولار في عام 2010، وهو نفس قيمة ميزانية البنتاغون».

نفس ميزانية البنتاغون! اذن فإما أن تتقلص ميزانية الضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي او وزارة الدفاع (البنتاغون) لأن زيادة الضرائب تبدو غير ممكنة الآن. واذا كان التاريخ مقياسا لنا، فإن الاميركيين يفضلون التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، بدلا من دفع ضرائب لجعل العالم اكثر أمنا للصين والهند وروسيا وايران، لكي تتمكن تلك الدول من متابعة مصالحها.

واذا كان الامر ذلك، فإن العالم ربما يختبر واحدة من اهم النظريات في كتاب ماندلباوم: إن التهديد الاعظم للاستقرار العالمي «ليس قوة اميركية زائدة للغاية، بل قوة أقل»