يدعيوت أحرونوت

موشيه العاد (عقيد احتياط، شغل مناصب رفيعة في المناطق الفلسطينية، باحث في شؤون المجتمع الفلسطيني)

المشاهد والصور التي تصلنا هذه الأيام من مناطق السلطة الفلسطينية، تلزمنا أن نسأل أنفسنا: ما الذي حصل في الواقع هنا؟ ماذا حصل للمجتمع الذي بدأ في منتصف التسعينات كدولة في طور التشكل لا ينتظر سوى موعد الاعلان عن الاستقلال، وها هو يبدو الآن كمجموعة عفوية من العصابات المسلحة؟ أين يكمن جذر المشكلة وأصلها؟ ما هي الأخطاء التي أدت الى هذا التدهور؟ في هذا السياق يمكن ذكر عشرة أخطاء كبيرة، خمسة منها على الجانب الفلسطيني، والخمسة الأخرى على الجانب الاسرائيلي. على الجانب الفلسطيني: * ديموقراطية البنادق: عبثاً طلبت اسرائيل من الفلسطينيين مراراً وتكراراً "تفكيك البنى التحتية للارهاب". ليس للفلسطينيين بنى تحتية للارهاب ـ الأكثر صحة هو أنه ثمة فلسطينيين للبنى التحتية للارهاب. فإرث ياسر عرفات، الذي يفيد أنه يمكن إجراء مفاوضات في موازاة الكفاح المسلح، سيبقى الى الأبد على ما يبدو. أجل، للفلسطينيين حق الأقدمية في مصطلح "ديموقراطية البنادق". * أين البديل عن حماس؟ لقد أربكت القيادة الفلسطينية بشكل كبير أتباعها من خلال الرسائل المزدوجة. فأي بديل بالضبط تشكله السلطة عندما تكون في الوقت ذاته مع الارهاب وضده، عندما تدعو الى الجهاد ضد اسرائيل وفي المقابل "تشجبه"؟ فالجهاد الاسلامي أفضل منها في مجال الارهاب، بينما حماس أفضل منها في مجال الاهتمام بالرفاه الاجتماعي. يمكن للسلطة أن تخدع العالم الغربي وقسماً منا في أنها تعمل شيئاً ما، لكنها لا تستطيع خداع شعبها في هذا المجال. * الى اليمين (فقط) در: "أين اليسار الفلسطيني؟". يسألون ببراءة في اسرائيل والغرب. هل يتوقعون فعلاً ممن تربى طوال العقود الأربعة الأخيرة على "وحدة الكلمة ووحدة الصف" أن تخرج من داخله معارضة فاعلة؟ لا يوجد "يسار" فلسطيني، يوجد "يمين"، ومن يعارض اليمين يفعل ذلك دائماً من الجانب الأكثر يمينية على الخارطة. * العلاقة بين رأس المال، السلطة والامتيازات. اعتقدوا في الغرب أن الفساد الفلسطيني ليس جزءاً من "خارطة الطريق". لكن الشارع الفلسطيني سئم حياة العبث والمجون والفساد والفوضى لدى قيادة منظمة التحرير العلمانية. هذا الشارع ذاته قرر أنه من غير المعقول أن يكون للمجتمع، الذي يقبع بمعظمه تحت خط الفقر، حكومة من أصحاب الحقوق الحصرية. ففي الصراع في الخليل، مثلاً، هزم عدد المصلين في المساجد عدد محطات الوقود التابعة لجبريل الرجوب. على الجانب الاسرائيلي: * "تنازلات من أجل السلام". بعد أيام معدودة على دخول ياسر عرفات الى المناطق الفلسطينية، ضبط متلبساً بتهريب صواريخ لاو ومطلوبين في طائرته المروحية. في هذه الفترة الزمنية، أي في نهاية العام 1995 وليس خلال انتفاضة العام 2000 بدأت الفوضى في المناطق الفلسطينية. فالريح الشريرة التي زرعت في فترة أوسلو، والتي تقوم على أساس التنازل عن معالجة خروقات الاتفاق وغض النظر عن الارهاب وسياسة القول "هدوء، نصنع السلام"، حصدت كعاصفة في هذه الأيام. * اسرائيل المتدخلة. خلال سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي عززت اسرائيل قوة "الاخوان المسلمين" في المناطق الفلسطينية كقوة مضادة مقابل منظمة التحرير الفلسطينية. بعد ذلك بسنوات، راهن بيرس على عرفات، وراهن بيلين على أبو مازن وأبو علاء، بينما راهن موفاز على دحلان ورجوب. فدولة اسرائيل ليست بحاجة الى تصفية القيادات الفلسطينية بالصواريخ، يكفي أن تقوم "بتعزيزها" سياسياً واقتصادياً كي يتم "تصفيتهم". * محمد دحلان كنموذج. بعد ستة أشهر على قيام اسرائيل بالتفكير في تصفيته بسبب تورطه في عمليات إرهابية، تُوّج دحلان فجأة "حاكماً" على قطاع غزة برعاية اسرائيل. وفي اختباره الأول باعتباره "الرجل القوي" ـ اختبار بسط النظام ـ تحطم بصخب فقط لأن انفجار صواريخ القسام أقوى منه. مرة أخرى يظهر خطأ تقدير الاستخبارات؟ مرة أخرى يفشل التصوّر؟ فالحاكم الذي يرتدي ربطة عنق ظهر ضعيفاً، كبضاعة تسويقية ليس أكثر. * التنكيل بتفاهم جنيف. كم مرة سيتمتم الفلسطينيون الذين شاركوا في "اتفاق جنيف" وفي "الاحصاء الوطني" بأنه يتعيّن إجراء إعادة تقدير بالنسبة لحق العودة، ثم يعودون عن كلامهم بسرعة ويعتذرون علانية في أعقاب "التنكيل" بهم من قبل التنظيم؟ يجب أن ندرك أنه عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، يكون ياسر عبد ربه وسري نُسيبه شركاء، أما عندما يتعلق الأمر باسرائيل فإنهما يكونان عملاء. * شرق أوسط كسول. نظرية "الشرق الأوسط الجديد" جعلت الفلسطينيين يتحولون من عمال نشيطين الى متلقي مساعدات كسولين. لقد شجعت اسرائيل الدول الغربية على دعمهم اقتصادياً، وهم فسروا هذا التأييد على أنه تشجيع لثقافة "التسوّل". فبدل أن يُشترى للصياد الصنارة وشبكة الصيد، فضلوا في الغرب أن يوفروا له السمك، وهكذا تحوّل الفلسطينيون من فلاحين وعاملين ناشطين الى مستهلكين دوريين للمخصصات والتقديمات. متسولين ومشاغبين.