صالح القلاب/الشرق الأوسط

انشقاق عبد الحليم خدام بالصورة التي أُعلنت ربما يكون آخر أزمة تضرب حزب البعث، الذي تأسس رسمياً في مارس (آذار) عام 1947 وبدأ الحكم أولاً في العراق في فبراير (شباط) عام 1963 ثم في سوريا بعد شهر من هذا العام نفسه، لكنه، أي هذا الانشقاق، كما هو معروف، ليس أول أزمة يتعرض لها هذا الحزب على مدى تاريخ طويل مليء بالتقلبات والانقلابات والتصفيات المعلنة وغير المعلنة والمؤامرات.

قبل ان يصل الى الحكم، إن في العراق وإن في سوريا، تعرض هذا الحزب، الذي عندما أنشئ رفع شعارات استقطبت قطاعات واسعة من الشباب العربي الباحث عن حل لأزمة التمزق العربي وللرد على أخطر هزيمة في تاريخ العرب المعاصر التي هي هزيمة عام 1948، لسلسلة من الانشقاقات والمآزق الداخلية، أخطرها ما جاء على خلفية تأييد قادته التاريخيين لانفراط عقد الوحدة بين «القطر المصري» و«القطر السوري» وتوقيع اثنين منهم على وثيقة الانفصال التي أنهت وجدانياً حلماً عزيزاً بقي يراود المثقفين والمستنيرين العرب منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية في نحو نهايات العقدين الأولين من القرن العشرين.

وبعد الوصول الى الحكم كان المأزق الأول، الذي واجه هذا الحزب الذي برر أول انقلاب عسكري في العراق أولاً ثم في سوريا في عام 1963 بهدفين نبيلين هما تحرير فلسطين والوحدة العربية، هو انقلاب الثالث والعشرين من فبراير (شباط) عام 1966 الذي قسَّم «البعث» الى بعثين، بعث قُطرْي ـ سوري اعتبر نفسه يسارياً ومع ما أسماه «الاشتراكية العلمية»، وبعث قومي ـ عراقي بقي يُتَّهمُ بالتخلف واليمينية والمُحافظة وبالولاء للغرب أكثر من ولائه للاتحاد السوفياتي والمنظومة الشرقية ـ الشيوعية .

لقد كان انقلاب فبراير (شباط) هذا، الذي كان الفريق حافظ الأسد الى جانب اللواء صلاح جديد من رموزه الأساسيين وكان عبد الحليم خدام من رموز الصف الثاني فيه، أول تجارب تسلط الضباط على حزب البعث وأول استخفاف بقيادته القومية وبالآباء المؤسسين، ميشيل عفلق وصلاح البيطار وبالإضافة إليهما أكرم الحوراني، وأول تجرؤ على هذه القيادة وضع رموزها في السجون ومطاردة بعض هؤلاء وطردهم الى خارج «القطر العربي السوري».

إنه تاريخ طويل مؤلم وكله إحباطات وإخفاقات، فأهل حركة فبراير (شباط) الآنفة الذكر هذه ما لبثوا أن انقلبوا على بعضهم بعضاً وما لبثوا أن نفذوا انقلاباً عسكرياً جديداً على حزبهم وقيادتهم أطلقوا عليه اسم «الحركة التصحيحية»، وقد قاد هذا الانقلاب الذي تمَّ بلا دماء وبلا أصوات مدافع وأزير طائرات والذي أعلن بلاغه العسكري رقم «1» في أحد أيام نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 الفريق حافظ الأسد الذي كان وقتها وزيراً للدفاع وعضواً في القيادة القومية وقد كان عبد الحليم خدام الرَّمز المدني الأول الذي شارك في هذا الانقلاب، بينما كان العماد مصطفى طلاس الذي عين وزيراً للدفاع وبقي وزيراً للدفاع لأكثر من ثلاثين عاماً، في مقدمة عسكريي الرتب العالية الذين شاركوا في هذه «الحركة التصحيحية».

وعلى غرار ما جرى بعد انقلاب فبراير (شباط) عام 1966 فقد وضع الانقلابيون الجدد، الذين أطلقوا على انقلابهم العسكري اسم «الحركة التصحيحية»، رفاقهم في السجون وقد مات بعض هؤلاء ومن بينهم الدكتور نور الدين الاتاسي، الذي كان رئيساً للجمهورية، وصلاح جديد، الذي كان أميناً عاماً للحزب في حين فرَّ آخرون، من بينهم رئيس الوزراء الأسبق الدكتور يوسف زعيِّن ووزير الخارجية الشهير إبراهيم ماخوس، الى الخارج وبقوا في الخارج، الأول في بودابست في المجر والثاني في الجزائر.

لم يُحاكِم الفريق حافظ الأسد رفاقه الذين شاركهم انقلاب فبراير (شباط) عام 1966 والذين اتهموه بتسليم هضبة الجولان ومدينة القنيطرة الى الإسرائيليين بلا قتال بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 عندما لمسوا أنه بات يستقطب قطاعات الجيش ويخطط للانقلاب عليهم، وتركهم يموتون موتاً بطيئاً في سجن «المزَّة» الشهير الذي قضوا فيه أكثر من عقدين من الأعوام، وهو سجن كان الفرنسيون قد بنوه على هضبة تطل على دمشق من جهة الغرب ويمر الى الشمال من موطئ قدميه نهر «بردى» الشهير الذي قال فيه أمير شعراء العرب في القرن العشرين أحمد شوقي: «سلام من صبا بردى أرقُّ» .

ولعل ما يجب ان يذكر ويقال في سياق هذا العرض التاريخي المختصر أن ذروة المأساة بالنسبة لهذا الحزب هو ان انقلابيي «الحركة التصحيحية»، الذين ما لبثوا ان دخلوا في صراع متفجرات وسيارات مفخخة مع الجناح الآخر من البعث الذي كان يحكم بغداد بعد هدنة قصيرة، قد أصدروا حكماً بالإعدام على مؤسس حزبهم ميشيل عفلق بتهمة الخيانة العظمى والتآمر على الحزب والدولة وهي ذات التهمة التي تُلصق الآن بالأستاذ عبد الحليم خدام الذي أفنى عمره كله من أجل هذا الحزب ومن أجل هذه الدولة.

كان عبد الحليم خدام الأكثر حماساً لانقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 الذي كرَّس الرئيس السابق حافظ الأسد رئيساً للجمهورية العربية السورية وقد بقي هذا البعثي القديم بمثابة الذراع الأيمن لرئيسه ورفيق دربه كما وبقي على مدى نحو ثلاثين عاماً مهندس سياسات حكم «الحركة التصحيحية» الخارجية وبقي هذا، الذي يتهم الآن بما كان أُتُّهم به ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني ومنيف الرَّزاز، المهاجم الأول في فريق نظام رفيق عمره الذي عينه نائباً له في بدايات عقد ثمانينات القرن الماضي لكنه حرص عندما داهمه المرض القاتل على تهيئة الظروف لابنه بشار، الرئيس الحالي، ليخلفه في موقع الرئاسة. وهكذا فإن ما لم يقله عبد الحليم خدام الذي بقي مخلصاً لرفيقه حافظ الأسد، حتى قبل انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 وقبل الوصول الى الحكم وبعد ذلك، هو أنه، بحكم مؤهلاته وكفاحه الطويل في الحزب وفي الدولة، الأحق بأن يخلف رئيس الجمهورية العربية السورية الراحل وهو ان تجاوزه والقفز من فوقه لم يكن لا في مصلحة الحزب ولا في مصلحة دولة بدت تواجه استحقاقات جديدة في عصر العولمة وفي عصر ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الشيوعية وتفرُّد الولايات المتحدة بالعالم كله بما في ذلك الصين وأوروبا وروسيا التي لم تعد اشتراكية والتي غدت مستوعبة استيعاباً كاملاً من قبل مشاكلها وإشكالاتها الداخلية.

لا يمكن تصديق التهم المتسرعة التي أُطلقت ضد عبد الحليم خدام من قبل رفاقه الذين كانوا يقفون أمامه قبل نحو خمسة أعوام فقط كتلاميذ صفٍّ ابتدائي، فقد يكون هذا الرجُّل خلافياً وقد يكون متـزمِّتاً وسليط اللسان وأكثر رموز طاقم حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد تهوراً وهجومية لكن ان تلصق به تهمة التآمر والخيانة العظمى فإن هذا، علاوة على أنه لا يمكن تصديقه، فإنه يدل على الارتباك ويدل على الخوف والعصبية وعلى عدم القدرة على التصرف بعد كل هذه التطورات المتلاحقة التي وضعت نظام «الحركة التصحيحية» في أزمة بهذا الحجم لم يواجه مثلها منذ ان أنشئ في انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970.

لقد فتح انشقاق مسؤول بحجم عبد الحليم خدام ثغرة كبيرة جداً في جدار نظام الرئيس بشار الأسد الذي أخطأ في التعامل مع المستجدات الدولية والإقليمية فأصبح يقف على هذا الرصيف الملتهب حافي القدمين. وهنا فلعل أخطر ما يمكن توقعه هو ان يتخذ الاستقطاب الذي سيترتب حتماً على هذا الانشقاق الطابع الطائفي، وهو طابع استطاع الرئيس السابق حافظ الأسد، بكفاءته القيادية وبسعة أفقه وبقدرته على المؤاخاة بين التناقضات، ان يلجمه على مدى أعوام حكمه التي بلغت نحو ثلاثين عاماً.

لا يمكن أن يحمي الاتهام المتسرع للأستاذ عبد الحليم خدام بالتآمر على الحزب والدولة وبالخيانة العظمى نظام الرئيس بشار الأسد من استحقاقات ما قبل هذا الانشقاق ومن استحقاقات ما بعده، فظروف سوريا وأوضاعها غدت خطيرة بالفعل، بل وخطيرة جداً، وهذا معناه أنه لا يجب التعويل لا على «مسرحية» مجلس الشعب المضحكة المبكية ولا على بيان القيادة القومية الذي اتسم بالنزَّق وضيق الأفق والعصبية. فالمطلوب بعد ان وصلت الأمور الى ما وصلت إليه هو البحث وبسرعة وبدون تأخير عن عبقرية غير متوفرة ومعجزة غير موجودة لإنقاذ بلد أصبح فعلاً بين فكي كارثة حقيقية !